هل آن لخيول بريد التنوير أن تستريح؟في مقولته الشهيرة «المترجمون هم خيول بريد التنوير»، وصف الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين (Alexander Pushkin) المترجمين بأنهم «خيول بريد التنوير».
وهو بوصفه هذا كان يكرم دورهم الجليل النبيل، حيث وصفهم بتلك الجياد التي تعدو بلا توقف بين حضارة وأخرى، وهي تحمل على عاتقها رسائل التنوير والمعرفة والفكر، لتعبر بها الحدود اللغوية والثقافية وتخرج الأمم من عزلتها.
المترجم أو كاتب الظل، هو جسر بين عالمين، وسفير بين ثقافتين، وحارس أمين على ذاكرة الإنسان.
فمن «كليلة ودمنة» التي نقلها ابن المقفع من الفارسية حتى أصبحت كأنها نص عربي الولادة، إلى مدرسة بيت الحكمة في بغداد حيث نقل حنين بن إسحاق تراث اليونان، إلى فريدريك أونغر (Frederick Ungar) وغيره ممن عبروا بأفكار نيتشه وكانط وهيغل إلى لغات أخرى، كان المترجم -في خفاء ومن وراء حجاب- الكاتب غير المرئي لصفحات كثيرة من تاريخ البشرية، متواريا في الظل في الوقت الذي كان يلمع فيه نجم الفيلسوف والأديب والعالم.
ولكن اليوم، وللمرة الأولى في تاريخ تلك «الخيول»، تسللت قوة تهددها وتسعى إلى انتزاع اللجام منها؛ فهل جاء دور هذه الجياد النبيلة أن تستريح؟ أم أن الحضارة لا تزال بحاجتها أكثر من أي وقت مضى؟خلصت دراسة حديثة نشرت في مجلة كوغنت للعلوم الاجتماعية (Cogent Social Sciences) حول صناعة الترجمة في الأردن إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تراجع عدد المترجمين البشريين بنسبة تتراوح بين 40% و70%مستقبل المترجم في عصر الذكاء الاصطناعيلا يمكن لأحد أن ينكر أو يغض الطرف عما أحدثه الذكاء الاصطناعي من هزة في عالم الترجمة.
فمنذ ظهور ترجمة غوغل (Google Translate) عام 2006، وما تلاها من نماذج الترجمة كـشات جي بي تي (ChatGPT) وديب إل (DeepL) وجيميني (Gemini)، تأثرت مهنة المترجم بشكل كبير، إذ أصبحت النصوص العادية تترجم في أجزاء من الثانية وبتكلفة مادية تكاد تكون منعدمة.
وتشير دراسة صدرت عام 2025 عن جامعة أكسفورد (University of Oxford) إلى أن المدن الأمريكية التي ارتفع فيها استخدام ترجمة غوغل عرفت نموا بطيئا بشكل ملحوظ في عدد وظائف المترجمين، وهو ما يؤكد الرابط السببي بين هيمنة الترجمة الآلية وتراجع الطلب على الكفاءات البشرية في هذا المجال.
وبلغة الأرقام كذلك، فقد أبان استطلاع أجرته جمعية المؤلفين البريطانية (The Society of Authors) عام 2024 عن تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة، حيث إن أكثر من ثلث المترجمين فقدوا جزءا من عملهم بسبب الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيما أفاد 43% منهم أن مداخيلهم عرفت تراجعا كبيرا بسببه.
أما على الصعيد الأكاديمي، فقد خلصت دراسة حديثة نشرت في مجلة كوغنت للعلوم الاجتماعية (Cogent Social Sciences) حول صناعة الترجمة في الأردن إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تراجع عدد المترجمين البشريين بنسبة تتراوح بين 40% و70%، وإن كان قد رفع في الوقت ذاته معدلات السرعة والكفاءة وخفض التكاليف.
تبقى إشكالية حماية المعطيات وخصوصية الزبائن مطروحة بقوة، إذ تزود هذه الأنظمة بنصوص قد تحتوي على بيانات سرية، مما يثير تساؤلات عديدة حول مدى أمانها، ويبعث على مخاوف جدية تتعلق بحماية المعلومات والخصوصيةما تخطئه الخوارزميات يتقنه المترجموعلى الرغم من أن بعض الحقول كالأدب والشعر ظلت عصية لسنوات على أنظمة الذكاء الاصطناعي، وكان المترجم يشعر معها أنه في مأمن نسبي من الآلة ويحتمي فيها كحصن منيع، إلا أن هذا الحصن العصي بات يتصدع شيئا فشيئا.
فقد طورت نماذج لغوية كـGPT-4 وClaude وGemini قدرة كبيرة على محاكاة الأسلوب الأدبي، ونظم الشعر بأوزان وقواف متعددة، وترجمة القصائد مع الحفاظ على شيء من الإيقاع، وهو ما كان يعد في الأمس القريب ضربا من المستحيل.
غير أن المتأمل بعين فاحصة في ترجمة الذكاء الاصطناعي لا يخفى عليه أنها تبقى عاجزة عن الإتيان بترجمة يمكن الاعتماد عليها كليا، كونها تتضمن العديد من الأخطاء، ولا تزال عاجزة عن استيعاب روح النص وأبعاده الثقافية والسياقية بنفس القدر والعمق الذي يمتلكه المترجم.
فعلى سبيل المثال، نجد من بين الثغرات التي تكشف محدودية الترجمة الآلية عجزها عن استيعاب المكافئ الثقافي اللغوي، وهو ذلك البعد الذي يربط اللغة بالبيئة والتاريخ والموروث الحضاري لأصحابها، إذ إن الترجمة تنقل الصورة الذهنية والإحساس الذي تولده في وجدان المتلقي وليس فقط الكلمات وحدها.
ولعل أشهر وأبلغ مثال على ذلك العبارة الفرنسية “ça me réchauffe le cœur”، التي تترجمها أدوات الذكاء الاصطناعي ترجمة حرفية بـ«هذا يدفئ قلبي»، مع أن لها في اللغة العربية مكافئا ثقافيا بليغا وعميقا هو «أثلج صدري».
والفارق بين التعبيرين لا يعدو كونه فارقا لغويا فحسب، وإنما هو فارق حضاري في جوهره؛ فالفرنسيون يعيشون في مناخ بارد قارس، فجاءت استعاراتهم تبحث عن الدفء وتجعل منه رمزا للفرح والبهجة، في حين أن العرب أبناء صحراء، فكان البرد والثلج عندهم رمزا للراحة والسعادة والانشراح.
ولهذا يقولون «أثلج صدري» حين يريدون التعبير عن خبر سعيد أو كلام محبوب.
وهذا الفارق الحضاري والثقافي لا تستطيع الآلة إدراكه؛ لأنها تعالج اللغة كرموز ومعادلات، بينما يحمل المترجم الإنسان في وعيه جغرافية الثقافتين وذاكرتهما معا، وهو ما يجعل حضوره ضرورة في كل ترجمة تطمح إلى الأمانة ورونق الأسلوب.
علاوة على ذلك، تبقى إشكالية حماية المعطيات وخصوصية الزبائن مطروحة بقوة، إذ تزود هذه الأنظمة بنصوص قد تحتوي على بيانات سرية، مما يثير تساؤلات عديدة حول مدى أمانها، ويبعث على مخاوف جدية تتعلق بحماية المعلومات والخصوصية.
واهم من يظن أن خيول بريد التنوير ستستريح.
صحيح أن الذكاء الاصطناعي اليوم أسرع من الجواد، وقادر على قطع المسافة في وقت أقل، لكن العقل البشري يظل الفارس الحقيقي في رحلة الحضارة هذهولا تخلو دروس التاريخ من العبر، فقد علمتنا مرارا ألا نتسرع في رثاء المهن كلما تطورت التكنولوجيا، وألا ننفث زفرة اليأس من صدورنا.
فحين اخترع الإنسان آلة الطباعة، تسلل إلى ظن البعض أن الخطاطين سيختفون.
وحين جاء التصوير الفوتوغرافي، نعى الناس فن الرسم.
لكن الإنسان، في كل مرة، كان يجد طريقة للتعايش مع الآلة بشكل أو بآخر.
وقد أشارت دراسة لمايكروسوفت ريسيرش (Microsoft Research) للفترة 2024-2025، والتي اعتمدت تحليل أكثر من 200 ألف مستخدم لمنصة Bing Copilot، إلى أن مهنة الترجمة هي الأكثر اتساقا مع قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية، وهو ما يعني أن الآلة تتقن الجانب الروتيني منها بامتياز.
غير أن الدراسة نفسها لم تنع عمل المترجم، بل رسمت له مسارا جديدا، حيث سيتحول إلى «قيم لغوي» يوجه الآلة ويراجع مخرجاتها ويكمل ما تعجز عنه.
وأمام هذا الواقع المتحول، يبقى السيناريو الأرجح هو التكيف الذكي مع الآلة، حتى يظل المترجم حاضرا وفاعلا في هذا المشهد، ويعاد تعريف دوره دون إقصائه تماما من عملية الترجمة، لأسباب أخلاقية، ولغوية، وثقافية.
فبدلا من منافسة الآلة في السرعة، يمكنه الانتقال إلى مرحلة التحرير اللغوي الاحترافي للمخرجات الآلية، فضلا عن توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها كمساعد يزيد من إنتاجيته وليس كمنافس يهدد وجوده.
كما أن الاستثمار في بناء الهوية المهنية، وتطوير مهارات التوطين الثقافي والتعامل مع المحتوى الإبداعي والحساس، يمنح المترجم ميزة تنافسية لا تستطيع أي آلة انتزاعها منه، على الأقل في المرحلة القادمة.
إن مستقبل المترجم إذن ليس في مقاومة التكنولوجيا، ولكنه في استيعابها والارتقاء بها إلى مستوى أعلى من الإبداع والمسؤولية الإنسانية.
ومن جهة أخرى، يرى بعض الباحثين أن انتشار الذكاء الاصطناعي قد يفضي إلى تضخم الطلب الكلي على الترجمة، فيما يعرف بمفارقة جيفونز؛ إذ كلما صارت الترجمة أرخص وأسرع، ازداد حجم المحتوى الذي تحتاج الشركات والمؤسسات إلى ترجمته، مما قد يعوض التراجع النوعي في أعداد المترجمين بتوسع كمي في السوق.
واهم من يظن أن خيول بريد التنوير ستستريح.
صحيح أن الذكاء الاصطناعي اليوم أسرع من الجواد، وقادر على قطع المسافة في وقت أقل، لكن العقل البشري يظل الفارس الحقيقي في رحلة الحضارة هذه.
ولا يزال دور المترجم قائما، إذ بإمكانه تحقيق ما تعجز عنه الآلة، ألا وهو الفهم.
ولعل في ذلك رسالة للمترجم العربي على وجه الخصوص؛ أن اللغة العربية بكل ثقلها الحضاري ووزنها البلاغي وعمقها الثقافي، لا تزال أمانة ثقيلة لا توكل إلى خوارزمية.
وبريد التنوير العربي، يا سادة، لا يزال يمتطي صهوة خيوله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك