منذ نهاية الحرب الباردة، تعيش الولايات المتحدة الأمريكية على قناعة راسخة بأن موقعها في قمة النظام الدولي ليس مجرد نتيجة لتوازنات القوة التقليدية، وإنما هو تعبير عن حتمية تاريخية وسياسية وتكنولوجية تجعل من استمرار الهيمنة الأمريكية أمرا طبيعيا لا يقبل التشكيك.
هذه القناعة لا تقتصر على دوائر الحكم والسياسة في واشنطن، بل تمتد إلى دوائر الاقتصاد والمال والتكنولوجيا، وإلى الجامعات ومراكز التفكير، وإلى قطاعات واسعة من النخب الأمريكية الجمهورية والديمقراطية على السواء.
هناك اختلافات بينهم حول أساليب إدارة العالم، وحول حدود التدخل العسكري، وحول طبيعة العلاقات مع الحلفاء والخصوم، إلا أنهم يلتقون جميعا عند الإيمان بأن الولايات المتحدة يجب أن تبقى القوة العظمى المهيمنة والمتفوقة على الجميع.
في العقود الماضية، استندت هذه القناعة إلى عناصر متعددة؛ من التفوق العسكري الساحق، إلى هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي، إلى النفوذ السياسي والثقافي والإعلامي الأمريكي.
غير أن العنصر الحاسم اليوم في التفكير الأمريكي هو التفوق التكنولوجي، وخاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والقوة الكومبيوترية الهائلة التي تمتلكها الشركات والمؤسسات الأمريكية.
ينظر صناع القرار في واشنطن، وكذلك قادة الشركات الكبرى في وادي السيليكون والمؤسسات المالية العملاقة، إلى هذه المجالات باعتبارها الأساس الحقيقي لاستمرار التفوق الأمريكي في القرن الحادي والعشرين.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع اقتصادي واعد، بل أصبح في العقل الاستراتيجي الأمريكي أداة لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
الولايات المتحدة تمتلك اليوم الشركات الأكثر تقدما في هذا المجال، وتتحكم في القسم الأكبر من البنية التحتية الرقمية العالمية، من الرقائق الإلكترونية المتطورة إلى الخوادم العملاقة ومراكز البيانات وشبكات الحوسبة السحابية.
كما تمتلك الجامعات ومراكز البحث الأكثر قدرة على الابتكار، وتستقطب العقول والكفاءات من مختلف أنحاء العالم.
وإلى جانب ذلك، فإن القوة العسكرية الأمريكية تعيد هي الأخرى هيكلة نفسها بالاستناد إلى الثورة التكنولوجية الجديدة؛ من الطائرات المسيّرة إلى أنظمة القيادة والتحكم، ومن الحرب السيبرانية إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات العسكرية والاستخباراتية.
وفي هذا السياق، ينظر الأمريكيون إلى الصين باعتبارها المنافس الأخطر، ولكنهم ينظرون أيضا بثقة واضحة إلى حقيقة استمرار تفوقهم عليها.
صحيح أن الصين حققت قفزات هائلة في مجالات التكنولوجيا والتصنيع والاقتصاد، وصحيح أنها باتت تمتلك قدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، إلا أن واشنطن ما تزال ترى أن الفجوة بينها وبين بكين قائمة لمصلحتها، خاصة في ما يتعلق بالقدرة على الابتكار، وجودة الجامعات ومراكز البحث، والتفوق في إنتاج الرقائق الإلكترونية المتقدمة، والسيطرة على شبكات التمويل العالمية، والتحالف العضوي بين التكنولوجيا والاقتصاد والقوة العسكرية.
ومن هنا تتولد في واشنطن حالة من اليقين الاستراتيجي بأن المستقبل سيظل أمريكيا، وأن العالم مهما شهد من تحولات نحو التعددية القطبية، لن يكون قادرا على تجاوز الهيمنة الأمريكية أو استبدالها.
بل إن بعض النخب الأمريكية باتت ترى أن الثورة التكنولوجية الجديدة سوف تؤدي إلى توسيع الفجوة بين الولايات المتحدة وبقية القوى الدولية، وأن الذكاء الاصطناعي سوف يمنح واشنطن تفوقا غير مسبوق في الاقتصاد والحرب والسياسة والإعلام وإدارة المجتمعات.
غير أن الإشكالية الكبرى في هذه الحتمية الأمريكية تكمن في أن الهيمنة ليست مجرد امتلاك لأدوات القوة.
الهيمنة لكي تستمر تحتاج إلى عالم يقبل، وإلى حلفاء يساعدون، وإلى أعداء يخافون.
وهذه الشروط الثلاثة باتت تتآكل تدريجيا بفعل السياسات الأمريكية الراهنة.
فالولايات المتحدة اليوم، رغم قوتها الهائلة، تفقد الكثير من قدرتها على إنتاج القبول العالمي.
خلال العقود الماضية، كان جزء كبير من النفوذ الأمريكي قائما على صورة الولايات المتحدة باعتبارها حامية للنظام الدولي، ومدافعة عن الاستقرار، ومرجعية للقيم الديمقراطية والاقتصاد المفتوح.
أما اليوم، فإن هذه الصورة تتعرض لتآكل متسارع.
الحروب الطويلة والفاشلة، من العراق إلى أفغانستان، أضعفت الثقة العالمية في الحكمة الاستراتيجية الأمريكية.
والسياسات الاقتصادية الحمائية، والعقوبات الواسعة، واستخدام الدولار كسلاح سياسي، دفعت العديد من الدول إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على الولايات المتحدة.
تعيش الولايات المتحدة الأمريكية على قناعة راسخة بأن موقعها في قمة النظام الدولي ليس مجرد نتيجة لتوازنات القوة التقليدية، وإنما هو تعبير عن حتمية تاريخية وسياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك