تواجه الحكومة الفرنسية موجة غضب واسعة من منظمات أصحاب العمل بعد قرارها الإبقاء على مخصّصات الإعفاءات الاجتماعية دون زيادة رغم رفع الحد الأدنى للأجور اعتباراً من الأول من يونيو/حزيران، في خطوة اعتبرها أرباب العمل زيادة مباشرة في تكلفة التوظيف تهدّد الاستثمار والنمو وفرص العمل، خصوصاً لدى الشباب، وتثير مجدداً الجدل حول تمويل نظام الحماية الاجتماعية عبر زيادة الضرائب على الاستهلاك.
وبحسب صحيفة" لوموند" الفرنسية، فإنّ القرار فتح مواجهة جديدة بين الحكومة واتحاد أرباب العمل الفرنسي في لحظة اقتصادية حساسة تعاني فيها فرنسا تباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة وتشاؤماً غير مسبوق داخل أوساط الشركات.
وأكد الوزير المكلف بالحسابات العامة دافيد أمييل، خلال مقابلة على قناة" تي إف 1" الجمعة الماضية، أن الحكومة لن ترفع مخصصات الإعفاءات الاجتماعية رغم زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 2.
41% اعتباراً من يونيو/حزيران، ما يسمح للدولة بتوفير نحو مليارَي يورو.
وتحتسب هذه الإعفاءات عادة بناء على الحد الأدنى للأجور، وكان يفترض أن ترتفع تلقائياً مع أي زيادة في الأجور الدنيا، إلّا أن الحكومة قرّرت تجميدها عند مستوياتها الحالية في إطار مساعيها لخفض العجز العام وتمويل الضمان الاجتماعي.
وأثار القرار ردّة فعل غاضبة من منظمات الأعمال الفرنسية، التي اعتبرت أن الحكومة تنقل عبء الأزمة المالية إلى الشركات عبر رفع تكلفة العمل بصورة غير مباشرة.
وقال اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة إن القرار ستكون له انعكاسات مباشرة على النشاط والاستثمار والتوظيف، محذراً من أن الشركات لن تتمكن في هذه الظروف من رفع الأجور أو توسيع عمليات التوظيف، كما اعتبرت حركة الشركات المتوسطة أنّ أعضاءها، الذين يواجهون منافسة دولية حادة، يعانون أصلاً عجزاً مزمناً في القدرة التنافسية، وأن أي زيادة إضافية في كلفة التشغيل ستؤدي إلى تراجع الاستثمارات الصناعية والإنتاجية.
ومن جانبه صعد رئيس اتحاد أرباب العمل الفرنسي، باتريك مارتان، لهجته ضد الحكومة، معتبراً أن ما يحدث يمثل خطأ جديداً وجسيماً في السياسة الاقتصادية.
وقال مارتان في مقابلة مع صحيفة" لو فيغارو" الفرنسية إنّ الحكومة ترفع تكلفة العمل، وهذا سيؤدي إلى تدمير الوظائف، مضيفاً أنّ العديد من أصحاب الشركات باتوا يفكرون في وقف التوظيف أو تجميد الاستثمارات أو حتى بيع شركاتهم بسبب تصاعد الضغوط المالية والضريبية.
وأظهر استطلاع داخلي لاتحاد أرباب العمل، وفق الإعلام الفرنسي، أنّ 84% من أصحاب الشركات يشعرون بالقلق والتشاؤم حيال المستقبل الاقتصادي، وهي أعلى نسبة منذ ذروة أزمة كورونا.
ويخشى أرباب العمل أن تكون الفئة الأكثر تضرراً من هذه التطورات هي فئة الشباب، في ظل ارتفاع بطالة الشباب إلى نحو 19%، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المعدل الوطني.
ويرى اتحاد أرباب العمل أن الشركات في فترات عدم اليقين الاقتصادي تبدأ عادة بخفض التوظيف المؤقت، والتقليل من عقود التدريب والعمل الجزئي، وتشديد شروط التوظيف الجديدة، وهو ما يهدّد فرص دخول الشباب إلى سوق العمل.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغ الحد الأدنى الشهري للأجور في فرنسا منذ يناير/كانون الثاني 2026 نحو 1766 يورو إجمالياً، إلّا أن التكلفة الفعلية التي تتحملها الشركات أعلى بكثير بسبب اشتراكات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والتقاعد التكميلي.
وتصل الكلفة الإجمالية لتوظيف عامل يتقاضى الحد الأدنى للأجور إلى ما بين 2300 و2500 يورو شهرياً، وفق تقديرات أوساط الأعمال الفرنسية.
وتقول منظمات الأعمال إنّ المشكلة لا تتعلق بالأجور فحسب، بل أيضاً بتراجع الإعفاءات الاجتماعية التي تقلصت منذ 2025 بنحو 1.
6 مليار يورو، ما يعني أن الشركات تدفع اليوم مساهمات اجتماعية أعلى مقارنة بما كانت تدفعه قبل عامَين.
وترى الحكومة أن هذه الإجراءات ضرورية لضبط المالية العامة، بينما يصفها أرباب العمل بأنها سياسة انكماشية تضرب القدرة التنافسية الفرنسية.
وفي موازاة الجدل حول كلفة العمل، عاد إلى الواجهة النقاش بشأن ضريبة القيمة المضافة الاجتماعية، وهي فكرة قديمة تقوم على تخفيف الاشتراكات الاجتماعية المفروضة على الشركات مقابل رفع ضريبة القيمة المضافة على الاستهلاك.
ويقترح باتريك مارتان خفض اشتراكات أصحاب العمل المخصّصة للتأمين الصحي وفرع الأسرة بنحو 60 مليار يورو، وتعويض ذلك عبر مصادر تمويل أخرى، بينها زيادة معدل ضريبة القيمة المضافة العادية.
ويعتبر أن النظام الفرنسي الحالي يعاقب التوظيف؛ لأنه يعتمد بصورة كبيرة على الاقتطاعات المفروضة على الأجور لتمويل الحماية الاجتماعية.
ويرى أنّ تخفيف الأعباء عن الشركات سيحفز الاستثمار والتوظيف ويرفع النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
لكن هذا الطرح يواجه معارضة قوية داخل فرنسا، إذ يرى منتقدوه أن رفع ضريبة القيمة المضافة سيؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات وتحميل الأسر، خصوصاً منخفضة الدخل، جزءاً كبيراً من تكلفة تمويل الضمان الاجتماعي.
ويؤكد معارضو الفكرة أن الضرائب على الاستهلاك تفرض بالنسبة نفسها على الجميع بغض النظر عن مستوى الدخل، ما يجعلها أكثر قسوة على الفئات الفقيرة.
وفي محاولة للردّ على هذه الانتقادات، قال باتريك مارتان إنّ جزءاً من عائدات ضريبة القيمة المضافة يستخدم بالفعل في تمويل الحماية الاجتماعية، مشيراً إلى أنّ إنفاق الأسر محدودة الدخل يتركز غالباً على منتجات خاضعة لضريبة مخفضة أو على الإيجارات غير الخاضعة أساساً لضريبة القيمة المضافة.
كما طرح رئيس اتحاد أرباب العمل الفرنسي مقترحاً آخر يتعلق بالقدرة الشرائية، يتمثل في خفض الاشتراكات التي يدفعها الموظفون لصناديق التقاعد بنحو 10 مليارات يورو، مقابل زيادة مساوية في مساهمات أصحاب العمل لضمان عدم الإضرار بنظام التقاعد القائم على إعادة التوزيع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك