قدم تليفزيون" اليوم السابع" تقريراً خاصاً عن واحدة من أعرق الحرف اليدوية التي تقاوم الاندثار في قلب مصر، حيث التقى اليوم السابع بـ" عماد إبراهيم"، أحد أقدم صناع كراسي القش البردي، والذي فتح قلبه وكشف عن أسرار وصعاب صنعته التي ورثها أباً عن جد داخل ورشة عتيقة يتجاوز عمرها القرن من الزمان، لتظل شاهداً حياً على تاريخ ممتد من الإبداع اليدوي المصري الأصيل.
وأكد عماد إبراهيم، أن الكراسي المصنوعة من قش البردي تتميز بمتانة فائقة وقدرة تحمل رهيبة تخالف تماماً مظهرها البسيط، قائلاً بنبرة مليئة بالثقة: «الكرسي القش يستحمل أي حد يقعد عليه حتى لو وزنه طن، وعمره الافتراضي طويل جداً»، مشيراً إلى أن قش البردي هو" زرع رباني" يمنح الجالس عليه راحة تامة وصحة لا توفرها المقاعد والأسرة الحديثة، ومؤكداً أن الجلوس عليه يبعث في النفس الطمأنينة نظراً لطبيعته الأصلية.
وأضاف والدموع تملأ عينيه مسترجعاً ذكريات طفولته وشبابه بين جدران هذا المكان العتيق: «أنا مولود في الورشة ديت وعشت عمري وأيامي كلها فيها، اتعلمت الصنعة وشربت أسرارها وأنا عيل صغير ومشيت في دمى، والورشة دي عمرها أكتر من 100 سنة وما زالت مفتوحة بالخير»، وعن أمنيته الوحيدة والغاية التي يرجوها من الدنيا بعد سنوات الكفاح، قال بنبرة مؤثرة تملؤها الرجاء: «نفسي ربنا يكرمني وأعمل عمرة أو حج وأزور بيت الله، ده كل اللي بتمناه من الدنيا، وعندي أمل كبير إن ربنا هينولهالي قريب بإذن الله».
ورغم تخوف الكثيرين من اختفاء هذه الحرفة التراثية النادرة مع تراجع الإقبال عليها، إلا أن الأمل تجدد بقوة داخل الورشة بظهور الحفيد الصغير" محمد"، الذي لم يتجاوز سنوات عمره القليلة لكنه يصر بقلبه وعقله على مرافقة جده يومياً والجلوس تحت قدميه ليتعلم منه، حيث يقول العم عماد وعلامات الفخر والسعادة تبدو على وجهه: «محمد أول حفيد ليا وحبيب قلبي، كل ما أجي أنزل الدكان يصر ينزل معايا ويمسك القش، وهو عايز يتعلم الصنعة وهعلمهاله عشان يرفع اسم العيلة ويحافظ على التراث ده من بعدي»، وببراءة الطفولة وعينين تلمعان بالشغف أكد الحفيد الصغير محمد: «أنا بحب أشتغل مع جدو وبحب أشوفه وهو بيصنع الكراسي وعايز أكون معاه دايماً وأتعلم منه كل حاجة».
وفي ختام التقرير، كشف لنا عماد إبراهيم عن" سر الصنعة" الأبرز وكيفية الحفاظ على كراسي القش لتعيش وتتوارثها الأجيال لعشرات السنين دون أن تتلف، موضحاً أن حرارة الشمس وعوامل الجو قد تجفف القش بمرور الوقت وتجعله يابساً، ولكن السحر الحقيقي يكمن في قطرات الماء التي تعيد إليه الحياة، حيث قال وهو ينضح الماء بيده بحرفية شديدة فوق الكرسي: «كل أسبوع أو 10 أيام، لازم الزبون يندّي الكرسي بحبة مية صغيرين، المية دي بتسري في البردي وترجع الروح فيه تاني من جديد، وتخليه مرن وقوي وكأنه لسه معمول النهاردة حالا وفي وقته، المية هي اللي بتجدد شبابه وتخليه يعيش العمر كله».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك