في قلب البحر الأبيض المتوسط، حيث تلتقي الأمواج بحكايات الحضارات، أبحرت سفن لا تحمل أسلحة ولا ذخائر، بل قلوبا تنبض بحب الحرية، وأكياس دقيق، وأدوية، ومياها.
ذلك هو" أسطول الصمود الثاني" الذي انطلق من ميناء برشلونة في 12 أبريل/نيسان، ليحوّل رحلة إنسانية عابرة إلى واحدة من أبرز محطات النضال البحري من أجل كسر الحصار عن قطاع غزة.
وما جرى في تلك الرحلة لم يكن مجرد مواجهة بحرية، بل اختبارا لضمير العالم، وكشفا جديدا لوجه الاحتلال الذي لا يعرف حدودا للبطش.
انطلق الأسطول في توقيت بالغ الحساسية، إذ ترددت أنباء عن" وقف إطلاق نار" في غزة، لكن سكان القطاع كانوا أول من يعلم أن تلك الأنباء لا تعني نهاية المعاناة.
فالحصار لم يرفع، والمعابر لم تفتح بصورة كافية، والمساعدات التي تدخل لا تكفي حتى لسد رمق الجوعى.
وغزة اليوم، كما كانت قبل الرحلات السابقة، تعيش تحت حصار خانق يمنع دخول المواد الغذائية الأساسية، والمستلزمات الطبية، والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه.
كان من بين أبرز المنظمين الفلسطيني سيف أبو كشك، الحامل للجنسيتين الإسبانية والسويدية، والبرازيلي تياغو أفيلا، المعروف بنشاطه الحقوقي.
وقد حمل الأسطول أكثر من 500 طن من المساعدات الغذائية والطبيةوتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 80% من سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
فالمياه غير صالحة للشرب، والأدوية تنفد باستمرار، والأطفال يدفعون ثمن سوء التغذية.
لذلك لم ينطلق الأسطول فقط لإيصال المساعدات، بل لحمل صرخة غزة إلى العالم: " لا تتركونا وحدنا".
في صباح 12 أبريل/نيسان، رفعت الأعلام على متن السفن المتجهة من إسبانيا، وكان على متنها مئات النشطاء من جنسيات متعددة؛ أوروبيون وعرب ولاتينيون وأمريكيون، جمعتهم قناعة واحدة: لا يمكن الوقوف متفرجين أمام مأساة غزة.
وكان من بين أبرز المنظمين الفلسطيني سيف أبو كشك، الحامل للجنسيتين الإسبانية والسويدية، والبرازيلي تياغو أفيلا، المعروف بنشاطه الحقوقي.
وقد حمل الأسطول أكثر من 500 طن من المساعدات الغذائية والطبية، بينها أجهزة طبية، وأدوية للأمراض المزمنة، وحليب أطفال.
لكن بينما كانت السفن تبحر في المياه الدولية قرب جزيرة كريت اليونانية، ظهرت زوارق حربية إسرائيلية، لتبدأ عملية اقتحام عنيفة دون أي مبرر قانوني.
استخدم الجنود الرصاص المطاطي، والعصي، والصواعق الكهربائية، وتم اعتقال نحو 170 ناشطا واقتيادهم بالقوة إلى مراكز احتجاز.
وتحت ضغط إعلامي ودبلوماسي واسع، أطلق سراح معظم المعتقلين، فيما أصر الاحتلال على احتجاز سيف أبو كشك وتياغو أفيلا، في محاولة واضحة لتوجيه رسالة ترهيب لكل من يشارك في مثل هذه المبادرات الإنسانية.
في مشهد أثار موجة استنكار دولية، نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مقطع فيديو يتباهى فيه بالهجوم على الأسطول، معتبرا ما جرى" رسالة لكل من يتحدى إسرائيل"وتحدثت تقارير لاحقة عن تعرض الناشطين لتعذيب جسدي ونفسي، والحرمان من النوم والطعام، قبل تقديمهما إلى محاكمة وصفت بأنها شكلية، بتهمة" محاولة كسر الحصار البحري"، رغم أن السفن كانت تتحرك في المياه الدولية وتحمل مساعدات إنسانية.
لكن القصة لم تنته هنا.
فبعد الإفراج عن بعض المعتقلين، أعيد تنظيم الأسطول، وانضمت إليه سفن جديدة قادمة من تركيا، في محاولة أخرى للوصول إلى غزة.
غير أن الاحتلال شن هجوما ثانيا قرب المياه القبرصية، واعتقل مئات النشطاء من رجال ونساء، وصحفيين، وأطباء، ومحامين.
وتحدثت شهادات لاحقة عن انتهاكات خطيرة داخل مراكز الاحتجاز، شملت الضرب، والإهانة، والتجويع، والتعذيب النفسي، إضافة إلى اتهامات بوقوع اعتداءات جنسية بحق بعض المعتقلين، وهي مزاعم أثارت غضبا واسعا لدى منظمات حقوق الإنسان.
وفي مشهد أثار موجة استنكار دولية، نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مقطع فيديو يتباهى فيه بالهجوم على الأسطول، معتبرا ما جرى" رسالة لكل من يتحدى إسرائيل".
وانتشر الفيديو على نطاق واسع، وأعاد تسليط الضوء على ممارسات الاحتلال ضد النشطاء المدنيين.
ورغم الإدانات الدولية، بقيت التحركات الرسمية محدودة، بين بيانات قلق، ومطالبات بتحقيقات، دون إجراءات عملية قادرة على ردع الاحتلال أو إنهاء الحصار.
تحول الأسطول إلى رمز عالمي للصمود الإنساني، وإلى شاهد جديد على أن الاحتلال يستطيع اعتراض السفن، لكنه لا يستطيع إيقاف موجات التضامن التي تتسع يوما بعد يوملقد كشف" أسطول الصمود الثاني" أن المعركة لم تعد فقط معركة غذاء ودواء، بل معركة رواية ووعي.
فالاحتلال يدرك أن وصول سفن مدنية إلى غزة يعني سقوط روايته أمام العالم، لذلك يتعامل مع هذه المبادرات بوصفها تهديدا سياسيا وإعلاميا، لا مجرد تحركات إنسانية.
ورغم كل ما تعرض له النشطاء من اعتقال وتعذيب، بقيت الرسالة واضحة: غزة ليست وحدها، والحصار مهما طال لن ينجح في كسر إرادة شعبها أو إرادة المتضامنين معها.
لقد تحول الأسطول إلى رمز عالمي للصمود الإنساني، وإلى شاهد جديد على أن الاحتلال يستطيع اعتراض السفن، لكنه لا يستطيع إيقاف موجات التضامن التي تتسع يوما بعد يوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك