تابعتُ باهتمام كلمةَ معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، وزير الداخلية، خلال لقائه جمعاً مِنْ أعيان البلاد، حيثُ أشار إلى عِظَم أثر الخطيب في المجتمع، وأعربَ عن أسفه لأنّ بعض الخطباء لم يدافعوا عن بلدهم خلال الأزمة، بل لم يجرؤوا على التنديد بالعدوان الإيراني الغاشم على مملكة البحرين؛ خوفًا مِنْ تهديدات بعض الجهات أو خضوعًا لوصاية الخارج، مؤكّدًا أنّ هذا اللون مِنَ التأثير الوافد لا مكانَ له في مملكة البحرين.
وتأييدًا لما ذكر معاليه، فإنّ للخطيب شأنًا عظيمًا في حِفْظ المجتمع وصيانة أمنه الفكري؛ إذ يضطلعُ بمهمّة جليلة، هي الدعوة إلى الله، وتبصير الناس بأمور دينهم، وتعريفهم بمحاسن الإسلام وأحكامه وآدابه، كما أنّ خطبة الجمعة مِنْ أعظم وسائل التوجيه والإصلاح، ولها مقاصد شرعية ودلالات دعوية، والخطيبُ الموفّق هو الذي يضع الكلام مواضعه، ويراعي حال المخاطبين فيخاطبُ الناس بالحكمة حينًا، وبالموعظة الحسنة حينًا، وبالرفق والبيان الحسن حينًا آخر.
ومن صفات الخطيب الناجح أن يكون حكيمًا في طرحه، قدوةً في تصرفاته، مراعيًا للأهم فالأهم، مدركًا للمصلحة العامة، مستيقظًا للأخطار التي تحيط بالمجتمع والأمة، مؤلِّفًا للقلوب، جامعًا للشمل، حريصًا على منفعة البلاد والعباد، صادقًا مع دينه، متمتعًا بأصالة الرأي، وقوّة العلم وسرعة البديهة، عارفًا بخطورة الكلمة، بعيدًا عن إثارة النعرات وتحقيق المنافع الشخصية، فلا يجعل المنبر مطيّةً للأهواء، ولا وسيلةً للمنافع الخاصة.
والخطيب الرباني طبيبٌ للقلوب، يعالجها بنور الوحي، وهدي السنّة، وسِيَر الصالحين، ويربّي الناس على الرحمة والاجتماع والسكينة، وهو داعيةُ ألفةٍ لا داعيةُ فرقة، يسعى في إصلاح ذات البين، وتعليم الجاهل، وردّ الشارد، وربط الناس بدينهم وأمتهم.
ومن أسمى خصال الخطيب الرحمة؛ فهي روح الخطاب الدعوي كلِّه، ومن الرحمة أن يختار من الموضوعات التي تمسّ حاجة الناس، وأن يكلّمهم على قدر عقولهم، وأن يقتصد في خطبته وصلاته؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم “لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن كلمات يسيرات” (صحيح أبي داود: 1107).
ومن الرحمة كذلك الرفق بالناس في العبارة، واجتناب التشهير والتعيير، واقتفاء هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: “ما بال أقوام” (البخاري: 750).
ومن الرحمة أيضًا غرس الطمأنينة في المجتمع، وتذكير الناس بنعمة الأمن؛ فإن الأمن من أجلِّ نعم الله على عباده، وبه تستقيم المعايش، وتُصان الدماء، وتُحفَظ الأوطان.
وقد قرن الله تعالى بين الإيمان والأمن في قوله: “الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون” (الأنعام: 82)، فحفظ الأمن مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، ومن تأمّل أحكام الإسلام وجدها قائمة على تثبيت الاستقرار، وحفظ الحقوق، والوفاء بالعهود، وتحريم الغدر والخيانة؛ لأن الفوضى إذا استحكمت ضاعت المصالح، واختلّ أمر الدين والدنيا.
ومن واجب الخطيب أن يدعو إلى الاجتماع والائتلاف، وأن يحذر من أسباب الفتن والفرقة، وأن يرسّخ في النفوس معنى السمع والطاعة في المعروف، وأن يترفّع عن الشعارات الجوفاء، والنعرات الطائفية، والإشاعات المضللة، وأن يبني خطابه على العلم والعدل والحكمة والبصيرة، وأن يتحرّى صدق الكلمة؛ فإنّ الكلمة إذا صدرت عن غير علم أفسدت أكثر مما تصلح.
كما أنّ إثارة الناس عبر المنابر بابٌ من أبواب الشرور، يفضي إلى اضطراب الأمن، وفساد الفكر، وتعطيل المصالح، ويفتح على الأمة أبواب الفتن التي لا يُعرف أولها من آخرها.
ومن فقه الخطيب أيضًا حسن العبارة، ولين الجانب، وجمال الخطاب، كما قال تعالى: “وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن” (الإسراء: 53)، فالكلمة الطيبة مفتاح القلوب، وبها تجتمع النفوس، وتزول أسباب الشحناء والفرقة.
الشكر موصول لإدارة الأوقاف السنية على ما تبذله من جهود في تدريب أصحاب الوظائف الدينية، وإقامة الدورات العلمية والتأهيلية التي تسهم في رفع كفاءاتهم وصقل مواهبهم؛ فإنّ إعداد الخطيب إعدادًا علميًا ومهاريًا ينعكس أثره على المنبر والمجتمع، ويزيد الخطبة جمالًا وتأثيرًا.
فجزاهم الله خير الجزاء.
خطيب وأستاذ في الأدب العربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك