في إحدى قاعات الاستقبال بالمكسيك، قبل انطلاق منافسات كأس العالم1986 بأيام قليلة، نظمت الاتحاد الدولي لكرة القدم حفلا خاصا بمنتخبات المجموعة السادسة.
اقرأ أيضامونديال 2026: من هم اللاعبون الذين نالوا ثقة المدرب المغربي محمد وهبي؟كانت عدسات الصحفيين تتزاحم حول نجوم إنكلترا وبولندا والبرتغال، أسماء من قبيل غاري لينيكر وغلين هودل وزبيغنيو بونييك كانت تستأثر بكل الاهتمام.
في زاوية أخرى، جلس اللاعبون المغاربة بهدوء، مرتدين بذلاتهم الرياضية الحمراء، بعيدا عن الأضواء والأسئلة والكاميرات.
مصطفى الحداوي، أحد نجوم ذاك الجيل، يتذكر تلك اللحظة جيدا" كنا كأننا غير موجودين.
الصحفيون كانوا منشغلين بالنجوم الآخرين، ولم يأت أحد ليسألنا حتى عن حظوظنا.
يومها نظر بعضنا إلى بعض وقلنا: يجب أن نريهم أنهم أخطأوا حين تجاهلونا".
لم يكن أحد تقريبا يتوقع أن يتحول ذلك المنتخب" المنسي" بعد أسابيع قليلة إلى أول منتخب أفريقي وعربي يتصدر مجموعة في كأس العالم ويعبر إلى الدور الثاني، في إنجاز دخل تاريخ كرة القدم من أوسع أبوابه.
بالنسبة إلى نجم المنتخب إذ ذاك عبد العزيز سليماني، لم تبدأ قصة مونديال 1986 في المكسيك، بل تعود جذورها إلى صيف 1970، حين كان طفلا يتابع مشاركة المغرب الأولى في كأس العالم.
يقول سليماني" عشت مشاركة 1970 وأنا لا أتجاوز الثانية عشرة.
كنت أتألم لهزائم المنتخب لأنني كنت أشاهد بعاطفة طفل يحب بلده فقط.
لكن مع مرور السنوات وفهمي لكرة القدم والاحتراف، أدركت أن الفوز يحتاج إلى أسس وعمل طويل".
كانت كرة القدم الأفريقية آنذاك تبحث عن اعتراف عالمي.
قبل ذلك بسنوات، قاطعت منتخبات أفريقية تصفيات مونديال 1966 احتجاجا على سياسة الاتحاد الدولي لكرة القدم التي كانت تمنح القارة هامشا ضيقا للغاية في التأهل.
ثم جاءت تجارب متباينة، من مشاركة مصر الأولى عام 1934، إلى تعادل المغرب التاريخي مع بلغاريا في مونديال 1970، ثم انتصار تونس على المكسيك عام 1978، وصولا إلى ملحمة الجزائر في 1982 وفضيحة" خيخون" الشهيرة.
وسط هذا السياق، كان المغرب يحاول بناء مشروع مختلف.
فاريا… الرجل الذي غيّر كل شيءحين وصل المدرب البرازيلي خوسيه (المهدي) فاريا إلى المغرب مطلع الثمانينيات، لم يكن مجرد مدرب تقليدي.
كان يعرف الكرة المغربية جيدا بعدما درب الجيش الملكي، وبدأ في تشكيل نواة منتخب شاب جمع بين الموهبة والانضباط.
يصفه الحداوي قائلا" كان ذكيا جدا، لا يفرط في الكلام، لكنه حين يتكلم يقول الأساس.
كان يكرر لنا دائما: لا فرق بينكم وبين خصومكم، الفارق سيكون في الذهنية".
أما نور الدين البويحياوي مدافع المنتخب الذي قهر كبار النجوم فيتذكر حجم العمل البدني الذي سبق المونديال ساردا" ذهبنا إلى المكسيك قبل البطولة بحوالي شهر.
كنا نتدرب ثلاث حصص يوميا.
الاستعدادات كانت قاسية جدا، لكننا فهمنا أننا إن لم نكن جاهزين بدنيا فلن نصمد أمام تلك المنتخبات".
ذلك المنتخب لم يكن يضم أسماء عالمية كبيرة، بل إن أغلب لاعبيه كانوا يمارسون في الدوري المغربي، باستثناء عدد محدود من المحترفين في فرنسا وسويسرا.
لكن فاريا نجح في خلق روح" العائلة" بينهم.
يقول الحداوي" كنا مجموعة ناضجة.
لعبنا معا لسنوات، من الألعاب المتوسطية إلى تصفيات كأس العالم وكأس أفريقيا.
كان هناك انسجام وروح جماعية صنعت الفارق".
لم يبلغ المغرب كأس العالم صدفة.
لكن الرحلة كانت طويلة ومرهقة، بدءا من سيراليون ومالاوي، ثم مواجهتين صعبتين أمام مصر، وصولا إلى الملحق الحاسم ضد ليبيا.
يستعيد البويحياوي تلك المرحلة قائلا" خضنا مباريات قوية جدا.
لعبنا ضد مصر وليبيا ونيجيريا ومالاوي.
كنا نشعر بثقل المسؤولية، لأن تمثيل المغرب في كأس العالم ليس أمرا عاديا".
وخلال تلك التصفيات، بدأ يتشكل شعور داخلي بأن هذا المنتخب قادر على فعل شيء استثنائي.
مونتيري… حيث وُلد الإيمانوصل المغرب مبكرا إلى مدينة مونتيري المكسيكية.
شهر ونصف تقريبا قبل بداية البطولة، عاش اللاعبون في عزلة تدريبية قاسية، لكن تلك الفترة صنعت أيضا شخصية الفريق.
يتذكر سليماني" كنا أول منتخب تقريبا يصل إلى المكسيك.
المدرب كان يطلب منا الخروج إلى الأسواق والتواصل مع الناس.
سكان مونتيري أصبحوا يشجعوننا وكأننا فريق مدينتهم".
وكانت هناك أيضا تفاصيل صغيرة صنعت روح المجموعة.
يقول سليماني مبتسما" حسينة (اللاعب لحسن الوداني) كان رجل النكتة داخل الفريق.
كان يخلق أجواء المرح دائما، سواء على مائدة الطعام أو أمام شاشة التلفاز".
لكن خلف هذه الأجواء، كان هناك خوف حقيقي.
يقول البويحياوي" كنا نخشى أن نتلقى هزائم ثقيلة مثل بعض المنتخبات الأفريقية سابقا.
وقعنا في مجموعة الموت: انكلترا، بولندا، البرتغال".
دخل المغرب البطولة باعتباره الحلقة الأضعف.
فبولندا كانت ثالث مونديال 1982، وانكلترا تملك ترسانة من النجوم، بينما جاءت البرتغال بعد تألق أوروبي كبير.
لكن المباراة الأولى أمام بولندا غيّرت شيئا في نفوس المغاربة.
يذكر الحداوي محاولا عكس مشاعر اللحظة" بعد مباراتي بولندا وانكلترا بدأنا نشعر أننا قادرون على الذهاب بعيدا.
لم نكن أقل منهم مستوى".
انتهت المباراة الأولى بالتعادل السلبي، ثم كرر المغرب النتيجة نفسها أمام إنكلترا.
في مباراة أظهر فيها صلابة تكتيكية كبيرة بقيادة الحارس العملاق بادو الزاكي.
يقول سليماني" بعد مباراة انكلترا تأكد لنا أننا نملك الإمكانيات للفوز".
كانت تلك اللحظة بداية التحول النفسي الحقيقي.
في 11 يونيو / حزيران 1986، دخل المغرب مباراته الأخيرة أمام البرتغال في مدينة غوادالاخارا وهو يعرف أن الفوز يعني صناعة التاريخ.
يسميها سليماني" معركة الملوك الثلاثة".
في صباح المباراة، كان التوتر يملأ المعسكر المغربي، لكن الثقة كانت حاضرة أيضا.
الاتصالات من القصر الملكي لم تتوقف، والحسن الثاني كان يتابع المنتخب بشكل يومي تقريبا بل ويعطي المدرب توجيهات بشأن الخطة بحسب ما حكى غير واحد من اللاعبين.
يقول الحداوي" كان الملك يتحدث إلينا فردا فردا أحيانا، ويحفزنا قبل المباريات وبعدها.
أما فاريا، فكانت رسالته واضحة" لا تنتظروا البرتغال.
العبوا بثقة".
ومنذ الدقائق الأولى، بدا وكأن المغرب يلعب مباراة مختلفة تماما.
في الدقيقة التاسعة عشرة، استغل عبد الرزاق خيري خطأ دفاعيا وأطلق تسديدة هزت شباك البرتغال.
وبعد دقائق قليلة عاد اللاعب نفسه ليسجل الهدف الثاني وسط ذهول البرتغاليين.
يستحضر الحداوي هذه اللحظات فيقول" كنا نعرف أن البرتغال إذا تأخرت في النتيجة ستعاني كثيرا للعودة".
ثم جاء الهدف الثالث عبر عبد الكريم ميري" كريمو"، بعد تمريرة ساحرة من محمد التيمومي.
انتهت المباراة بنتيجة 3-1، وبدأت الأخبار تتقاطر من كل مكان: المغرب تصدر المجموعة.
المغرب أقصى البرتغال.
المغرب أصبح أول منتخب أفريقي وعربي يعبر الدور الأول.
من منتخب" منسي" إلى أسطورةيقول الحداوي" بعد أربعين عاما أدركنا فعلا قيمة ما حققناه.
أصبحنا جزءا من ذاكرة المغاربة".
عاد اللاعبون إلى الرباط أبطالا.
عشرات الآلاف خرجوا إلى الشوارع لاستقبالهم، وتحول ذلك الجيل إلى رمز رياضي خالد.
ورغم الخروج المؤلم أمام ألمانيا الغربية بهدف لوثار ماتيوس في الدقائق الأخيرة، فإن صورة المغرب لم تعد كما كانت.
تغيّر شيء ما في نظرة العالم إلى الكرة الأفريقية.
بعد أربعة عقود تقريبا، يعود اسم المكسيك مجددا ليتقاطع مع الحلم المغربي، وهذه المرة في أفق كأس العالم 2026.
لكن الفارق كبير.
في 1986 دخل المغرب البطولة بلا ضغوط تقريبا، أما اليوم، وبعد إنجاز نصف نهائي مونديال قطر، فقد أصبح منتخبا يخشاه الجميع.
يقول الحداوي" في قطر فاجأنا العالم، أما الآن فالعالم كله ينتظرنا ويستعد لنا بطريقة مختلفة".
أما سليماني، فيرى أن ما كان حلما في الثمانينيات صار اليوم مشروعا متكاملا" حاليا المغرب يملك كل الإمكانيات ليكون دائما في كأس العالم.
ما يحدث اليوم ليس صدفة، بل نتيجة عمل طويل".
وربما لهذا السبب بالتحديد ما تزال حكاية 1986 حية حتى اليوم.
لأنها لم تكن مجرد نتائج كرة قدم، بل اللحظة التي قرر فيها منتخب مجهول، جالس في زاوية منسية في حفل الفيفا، أن يغير تاريخ قارة بأكملها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك