عقدت" فتح"، طوال ستة عقود من تاريخها، سبع مؤتمرات لها، الأول والتأسيسي قبل الانطلاقة أي في مطلع الستينيات، والثاني (1968)، والثالث (1971) بعد الخروج من الأردن، والرابع (1980)، والخامس بعد انتهاء العمل المسلح في الخارج (تونس 1988)، أي ثمة ثلاث مؤتمرات عقدت في الداخل، وبعد رحيل مؤسسها ومهندسها ياسر عرافات، ضمنها السادس (بيت لحم 2009)، والسابع (رام الله 2016)، والثامن (رام الله وغزة وبيروت والقاهرة، 2026).
لنلاحظ هنا مسارات وتحولات فتح، من خلال سيرة مؤتمراتها، إن الفترة الزمنية بين محطتي المؤتمرين الأول والثاني، شهدت احتلال إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية (الضفة والقطاع)، في حرب حزيران (1967)، وما تلاه ذلك من دعم عربي للكفاح المسلح للتغطية على هزيمة الأنظمة العربية، الأمر الذي مكن العمل الفدائي من الصعود.
وشهدت الفترة بين المؤتمرين الثاني والثالث خسارة" فتح"، والحركة الوطنية الفلسطينية لساحة الأردن، أي للبلد الذي يمتلك أطول حدود مع إسرائيل، ويحتضن أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين، وتاليًا الانتقال إلى لبنان.
أما الفترة بين المؤتمرين الثالث والرابع (9 سنوات)، فقد شهدت تحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى حالة ميلشياوية، وهي المرحلة التي شهدت مواجهات متوالية مع الجيش الإسرائيلي في الأرض اللبنانية، والتورط في الحرب الأهلية في لبنان.
وشهدت الفترة بين المؤتمرين الرابع والخامس، وكانت زهاء ثماني سنوات، تحولًا كبيرًا في وضع" فتح" والمنظمة والفصائل، وفي واقع الكفاح المسلح الفلسطيني، إذ انتهت الظاهرة الفلسطينية المسلحة في الخارج، وهُمِّشت منظمة التحرير، واندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987)، وقد انعكس كل ذلك على واقع فتح، وعلى قدراتها، كما انعكس على شكل التحديات التي تواجهها، إذ ظهرت في هذه المرحلة حركة حماس، بصفة ندّ ومنافس لفتح.
أما في الفترة التي استمرت عقدين بين المؤتمرين الخامس والسادس فقد عقدت قيادة هذه الحركة خلالها اتفاق أوسلو (1993)، وتحوّلت الحركة إلى سلطة، التي أضحت في مركز القيادة على حساب منظمة التحرير، وفي هذه المرحلة اندلعت الانتفاضة الثانية، التي تحولت إلى صراع مسلح ضد الاحتلال، نجم عنها حصار الرئيس الفلسطيني في مقره في رام الله (2001ـ 2004)، ووفاته.
وفي هذه المرحلة صعد نفوذ حركة حماس، ثم كان الاختلاف والاقتتال والانقسام بين فتح وحماس، وهذا أدّى إلى انقسام كيان السلطة (2007).
أما الفترة بين المؤتمرين السادس والسابع فكانت سبعة أعوام، لكن المؤتمر الأخير كان بمثابة امتداد للمؤتمر الذي سبقه، إذ كرّس السياسات التي ينتهجها الرئيس أبو مازن، وكرّس التغيرات في ثقافة حركة فتح السياسية، وكرّس هيمنة الرئيس الفلسطيني على حركة فتح، واستبعاد مراكز القوى الأخرى، ولاسيما ما يمثله محمد دحلان.
وفي الفترة بين المؤتمرين السادس والسابع، أي في ظل قيادة (أبو مازن) ظل الخيار الفلسطيني السائد هو المفاوضات والتسوية، من دون الأخذ بأي خيار آخر، بديل أو موازٍ.
الآن، فقد عُقد المؤتمر الثامن في مناخ التداعيات الناجمة عن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وضمنها محاولة إسرائيل القطع مع عملية" أوسلو"، وتحجيم السلطة الفلسطينية، وفصل الضفة عن غزة.
على أية حال من الصعب توقع نجاح حركة" فتح" بتقديم الأجوبة الصحيحة، سيما في مؤتمر فضفاض، من قرابة 2600 عضو، يستحيل فيه تبادل وجهات النظر، أو اجراء أي مراجعة سياسية، كما يستحيل في هذا المؤتمر، الذي تركز على الصراع الانتخابي، الإجابة على الأسئلة المطروحة، وربما فات الوقت على القيام بكل ذلك لاسيما مع حال الترهل التي تشوب بناها، وتراجع أهليتها الكفاحية، ومع انحصارها في خيار المفاوضات وتماهيها مع السلطة.
بهذا العرض يبيّن مدى الخلل الناجم عن الفراغ في هذه الحركة، ويكشف تخلخل حياتها الداخلية، وهشاشة التواصل بين الأجيال فيها، وعدم تجديدها أفكارها، وتخشّب طبقتها القيادية.
في غضون كل ذلك يتبيّن، أيضا، أن ثمة مشكلات وتعقيدات جمّة حالت دون تمكين هذه الحركة من تحقيق أهدافها، ضمنها الخلل في موازين القوى لمصلحة إسرائيل، وعدم توافر العوامل الدولية والعربية الملائمة لها.
بيد أن هذه التعقيدات والمعوّقات الخارجية لا تغطي المشكلات الذاتية الكامنة في بنية هذه الحركة، وأفكارها التأسيسية، ونمط علاقاتها، وأشكال عملها، لذا يجدر هنا لفت الانتباه إلى الجوانب التي حكمت، وتحكّمت، في العمل الوطني الفلسطيني، وضمنه في مسار فتح، والتي تتمثل في الآتي:بعد هذا الإيجاز للمحددات التي حكمت تجربة فتح، بما لها وما عليها، يمكن التوصل الى ثلاث ملاحظات: الأولى، مفادها أنه ليس ثمة مفاجأة في الأحوال التي آلت إليها الحركة الوطنية الفلسطينية، فليست هذه المرة الأولى من نوعها التي لا تنجح هذه الحركة في المهمات المنوطة بها، أو تواجه تحديات وأخطارًا تفوق قدراتها، فهذا حال دول وإمبراطوريات.
بل ربما يفرض ذلك على الفلسطينيين إدراك حقيقة أنهم وحدهم، وفي ظروفهم الصعبة، ومحيطهم العربي والدولي، المعقد، وغير المواتي، ورغم معاناتهم وتضحياتهم وبطولاتهم- لا يستطيعون الفوز على إسرائيل، ولو على مستوى إقامة دولة على جزء من الأرض، لجزء من الشعب، كما شهدنا في تعثر اتفاق أوسلو.
لكن ذلك لا يمنع من رؤية مكامن قصور الإستراتيجيات أو الخيارات المتبعة، في الصراع ضد إسرائيل، وتبيّن دور العوامل الذاتية، المتمثلة في الإدارة والخطابات والبنى وأشكال العمل، في إخفاق هذه الإستراتيجيات والخيارات.
الملاحظة الثانية، تتعلق بملاحظة أن عملية التسوية ليست هي المعضلة الوحيدة، ولا الأساسية للفلسطينيين، كونها تسوية مجحفة وناقصة وجزئية، بسبب المعطيات والشروط التي أحاطت بها.
والقصد عدم تحميل هذه العملية وحدها مسؤولية تدهور أوضاع الشعب الفلسطيني وقضيته وحركته الوطنية، والإضاءة على مكامن الخلل الحقيقية، التي أدت إلى إخفاق عملية التسوية، واستهلاكها، وتكريس سلبياتها.
وهذه الفكرة تنطلق من فرضية مفادها أن المشكلة الأساسية تتعلق بطبيعة بنى حركة التحرر الفلسطينية، وافتقادها للعلاقات المؤسسية والديمقراطية والتمثيلية والنضالية، لأن افتقاد بنية من هذا النوع هو الذي جعل من المتعذر مراجعة الخيارات الفلسطينية الخاطئة، للتحول عنها أو تعديلها أو تجاوزها.
وتتعلق الملاحظة الثالثة بالتجربة التاريخية التي تثبت مرة أخرى أن أي حركة نضالية قد تشهد مراحل صعود وهبوط، وأن معضلة حركات كهذه، ولاسيّما عندما تصبح في السلطة، أنها تبدي ميلًا لاستمرار مكانتها الجديدة، والتخفيف من طبيعتها (الثورية) القديمة، والاتكاء على تاريخها الكفاحي، وعلى إمكانياتها وعلاقاتها ونفوذها، من دون الالتفات إلى ضرورة تعزيز شرعية هذه المكانة، ومن دون الاهتمام بالارتقاء في خطاباتها وأشكال عملها ووسائل نضالها، وهذا يفسر حقيقة أنّ هذه الحركات قد تستمر، لكنها تكون أيضًا قد استنفدت مهمتها التاريخية.
هذا ليس حكمًا على حركة فتح، فهذه الحركة هي التي تحكم على حالها.
وإذا كان الفلسطينيون في حاجة إلى حركة وطنية، تعددية وجامعة، كالتي مثلتها، فإن ذلك مرهون بقدرتها على نفض الموات من بناها وأفكارها؛ أي بقدرتها على إعادة بناء ذاتها، ونقد تجربتها، ومراجعة خياراتها السياسية، وهذه هي الرسالة التي حاولتُ قولها في كتابي الذي أشرت اليه في الهامش الثامن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك