في تطور سياسي وأمني لافت، أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، اليوم الأربعاء (27 أيار 2026)، انفكاك سرايا السلام عن التيار وإلحاقها بالدولة، في خطوة وصفها بأنها تهدف إلى إنهاء الارتباطات الحزبية للتشكيلات المسلحة وتعزيز مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وهذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الصدر فك ارتباط السرايا، فقد سبق أن أعلن عن خطوة مشابهة عامي 2017 و2019، لكن هذه المرة جاء القرار في سياق سلسلة من الإجراءات والتوجيهات التي أصدرها زعيم التيار منذ نيسان الماضي، ضمن ما أسمته الأوساط السياسية “بالثورة الإصلاحية”، والتي شملت ملفات تنظيمية وأمنية وإدارية داخل بيئة التيار وتشكيلاته، حتى أنها تضمنت طرد عدد من القيادات، أبرزهم إسماعيل اللامي، المعروف “أبو درع”، وتصاعدت خطوات الصدر الإصلاحية والإجراءات الصارمة بعد إعلان مرجع الصدريين كاظم الحائري اعتزال العمل المرجعي عام 2022، حيث تحرك الصدر نحو ترميم صفوف تياره، وتأكيده المتكرر على ضرورة بناء دولة مؤسسات قوية خالية من الفوضى والانقسام.
شبكة 964، في هذا التقرير تستعرض أبرز المحطات التي مر بها التيار الصدري، من إعلان النصر على داعش، وصولاً إلى فك الارتباط بسرايا السلام التي أسسها عام 2014.
ثورة إصلاح شملت حتى المظاهرفي (29 نيسان 2026) أطلق زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر سلسلة من الإصلاحات، وصفت بأنها الأوسع على الإطلاق، وأسمتها الأوساط السياسية بـ”الثورة الإصلاحية”، إذ تضمنت أوامره تعليمات على مستويات عديدة، تبدأ من الذمم المالية والعقارات والسيارات، وصولاً حتى إلى المظهر الخارجي، ولفت في التعليمات كذلك إصدار أمر بتسليم الأسلحة ومنع استعمالها، باستثناء سامراء التي يتولى فصيل سرايا السلام حمايتها بطلب من الحكومة.
وتولى فريق من كبار قادة التيار الصدري نفيذ هذه الثورة، من بينهم قادة بارزون غابت أسماؤهم منذ سنوات عن الإعلام، مثل السياسي المعروف نصار الربيعي، وكذلك النائب السابق صباح الساعدي، ووزير الإسكان الأسبق طارق الخيكاني، أما بقية الأسماء التي أشرفت على التنفيذ فهي من المستوى الأعلى في قيادة التيار الصدري، والحلقة الأقرب من الصدر، وهم: “حيدر الجابري، وتحسين الحميداوي، وكاظم الحسيني، وعبد الجبار البعاج، ومحمد الفرطوسي، وسالم عايش، وأبو رضا، وأبو حسن الحلفي، وقاسم جلوب، وأبو زينب الطوكي”.
قرارات الصدر جاءت بعد سلسلة خطوات مماثلة من حيث الاتجاه ومختلفة في الشدة، فقد وجه الصدر في (25 نيسان 2026)، المعاون الجهادي، بسحب كل السلاح من كل التشكيلات العسكرية المجمدة وغير المجمدة خلال مدة أقصاها 5 أيام من كربلاء حصراً، إلى جانب تبديل كل القيادات، فضلاً عن سحب كل السيارات والمركبات الخاصة والعامة ممن وصفهم بـ”المجرمين المتورطين” في الأحداث التي شهدتها كربلاء، والتي أدت لمقتل وإصابة شخصين ينتميان إلى جماعة “الأزهريون” المنشقة عن التيار الصدري، بعد اشتباكات في منطقة الحر، كما قررت سرايا السلام الجناح العسكري للتيار تجميد عملها في المحافظة وغلق المقرات كافة.
وفي اليوم التالي، نشر الصدر، صور 22 شخصاً، قال إنهم “أعداء الدين والمذهب بل موالون للثالوث المشؤوم، وأعداء الإمام الحسين وأعداء آل الصدر”، محذراً من التعامل معهم، ومتعهداً بتسليمهم للقضاء.
وفي (26 نيسان 2026)، أعلنت سرايا السلام، البراءة من 11 شخصاً في بغداد، مؤكداً عدم انتمائهم للتشكيل، وأوضح المكتب أن القرار جاء لمقتضيات المصلحة العامة وحفاظاً على سمعة السرايا، داعياً الأجهزة الأمنية إلى اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة بحق الواردة أسماؤهم في القائمة، وضمت القائمة أولاد القيادي السابق، إسماعيل حافظ، الملقب “أبو درع”.
وفور نشر البراءة، تحركت استخبارات وزارة الداخلية لمداهمة جميع مقرات “أبو درع”، وأبنائه، فيما صادرت عدد كبير من الأسلحة، دون القبض عليه.
في (2 أيار 2026)، أعلنت مديرية الإعلام المركزي لسرايا السلام، طرد 14 عنصراً من تشكيلاتها نشرت أسماءهم وصورهم، وذلك بسبب مشاركتهم في أحداث كربلاء وممارساتهم المشينة، على حد تعبيرها.
داعية إلى مقاطعتهم وقطع كل تعامل معهم.
لم تتوقف الإصلاحات في سحب سيارات وأسلحة المتورطين بحادثة كربلاء، بل استكمالاً لذلك، في 5 أيار 2026، وجه الصدر بجرد عجلات تابعة لقوات سرايا السلام، بينها نحو 160 سيارة فاخرة 4 x4، إضافة إلى اطلاعه، على آخر توجيه بشأن جرد العقارات ذات الصلة بهذه القوات مع إشارة إلى قائمة بنحو 237 من آمري الفرق والألوية وسواهم.
وكتب الصدر هوامش على ثلاث أوراق موجهة إلى السيد حسين آل النبي المكلف بمتابعة الملف مطالباً ضباطه بحضور الدرس وإرسال المركبات إلى المستودع بأسرع وقت حسب تعبيره.
تحويل الفصائل إلى جند الشعائرفي 8 أيار 2026، وقبل تسمية علي الزيدي رئيساً للوزراء، طالب الصدر “رئيس الوزراء القادم أياً كان” بتنفيذ جملة من الشروط ليسلم سرايا السلام، أبرزها تحويل الفصائل المسلحة إلى تشكيل “جند الشعائر الدينية” تحت سلطة هيئة الحج والعمرة، أو إلى تشكيل إنساني للإغاثة، معتبراً كل من يرفض ذلك “خارجاً عن القانون”، ومعلناً في المقابل استعداده لحل لواء اليوم الموعود وتسليم سرايا السلام إلى القائد العام للقوات المسلحة.
وشدد الصدر في بيانه حينها على ضرورة إبعاد كل من يمتلك جناحاً مسلحاً عن الكابينة الوزارية إبعاداً تاماً، ورفض ما وصفه بـ”خلطة العطار” في تشكيلها، فيما أعلن صراحة رفضه وجود أي فرد من التيار الشيعي الوطني في الحكومة، مؤكداً أن “لا وزير منهم يمثلنا”.
وطالب الصدر الحكومة بالعمل الفوري على قمع الفساد خلال مدة أقصاها تسعون يوماً، على أن يتم البدء بـ”صفقة القرن ومجرمها وكل تبعاتها”، إلى جانب تحقيق استقلالية العراق عن التدخلات الخارجية وفق مبدأ “لا شرقية ولا غربية”، وتعزيز العلاقات العربية والإسلامية والدولية بما يصون هيبة العراق.
حظر السيارات السوداء والابتعاد عن الأميركيواطلع الصدر، في 13 أيار 2025، على نشاط اللجنة المكلفة بجرد العجلات، التي أعلنت استلام نحو 1200 عجلة، ثم قام الصدر، بتعميم عدة توجيهات منها منع قيادات وأفراد سرايا السلام، من ركوب السيارات الأميركية الفارهة كـ “التاهو”، وحصرهم بالسيارات الصينية أو الكورية، كما قيدت التعليمات حركة مسؤولي الألوية والفرق بالتنقل بأربع عجلات فقط كحد أقصى، مع حظر استخدام السيارات السوداء أو المضللة إلا في الواجبات الرسمية القصوى، ودعا الصدر إلى الالتزام الكامل بالقوانين المرورية والأمنية، كما شدد على إزالة كافة الصور والأسماء العائدة لـ “آل الصدر” من على المركبات، ومنع حمل السلاح غير المرخص.
وفي أحدث الخطوات، أعلن زعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر، اليوم الأربعاء (27 أيار 2026) انفكاك سرايا السلام عن تياره والتحاقها التحاقاً تاماً بالدولة والمسؤول العام عن التشكيلات العسكرية، آملاً بجميع تشكيلات الحشد أن تنفصل عن الأوامر الحزبية والطائفية لا سيما بعد أن تسلم الفصائل سلاحها للدولة، وفق تعبيره.
وبعد ساعات من إعلان الصدر، عن انفكاك “سرايا السلام” عن تياره والتحاقها التحاقاً تاماً بالدولة والمسؤول العام عن التشكيلات العسكرية، بدأت التيارات السياسية والأحزاب والنواب بالترحيب الواسع بهذه الخطوة.
فلاش باك: تسليم سلاح السرايا وتحويلها لمنظمة مدنيةوبالعودة إلى عام 2017، فقد سبق للصدر أن دعا في (11 كانون الأول)، عناصر “سرايا السلام” إلى تسليم سلاحهم للدولة العراقية وتحويل الفصيل إلى منظمة مدنية.
وقال الصدر في بيان إن ما دفعه إلى اتخاذ هذا القرار هو انتفاء الحاجة لهذا الفصيل المسلح بسبب انتهاء المعارك ضد تنظيم داعش في العراق، بإعلان رئيس الوزراء العراقي حينها حيدر العبادي قبل يومين الانتصار النهائي على التنظيم.
وعاد الصدر في (1 تموز 2019)، ليعلن مرة أخرى انفكاك “سرايا السلام” انفكاكاً تاماً عنه، وإغلاق كافة المقرات والاسم وغيرها من الأوامر ورجوع جميع المنتسبين بالأوامر إلى الجهات المعنية.
إلا أن اللحظة المفصلية والحدث الأبرز كان في آب 2022، عندما أعلن المرجع الديني للتيار الصدري كاظم الحائري اعتزال العمل المرجعي، مبرراً ذلك بالمرض والتقدم بالعمر، وأوصى مقلديه باتباع المرجع الإيراني علي خامنئي، وتحدث عن مقتدى الصدر ضمنياً قائلا أنه “من يتصدى للقيادة باسم الشهيدين هو فاقد للاجتهاد أو لباقي الشرائط المشترطة في القيادة الشرعية فهو -في الحقيقة- ليس صدرياً مهما ادعى أو انتسب”.
ولم يتردد الصدر في الرد على الحائري، وقال في تغريدة له على “تويتر”، إنه “يظن الكثيرون بمن فيهم السيد الحائري أن هذه القيادة جاءت بفضلهم أو بأمرهم، كلا، إن ذلك بفضل ربي أولا ومن فضل والدي محمد صادق الصدر الذي لم يتخل عن العراق وشعبه”.
وقال الصدر إن اعتزال الحائري “لم يكن بمحض إرادته”، مضيفاً، “إنني لم أدع يوماً العصمة أو الاجتهاد ولا حتى القيادة، إنما أنا آمر بالمعروف وناه عن المنكر”.
ومنذ اعتزال الحائري العمل المرجعي، قام زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بعدة خطوات إصلاحية في صفوف التيار، وصولاً إلى قراره الأخير بفك ارتباط سرايا السلام بالتيار الصدري رسمياً.
تجد الإشارة إلى أن سرايا السلام هي الجناح العسكري المسلح التابع للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر في العراق.
تأسست في عام 2014 بعد فتوى المرجع الشيعي علي السيستاني لمواجهة سيطرة تنظيم “داعش” على مساحات واسعة من العراق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك