في السنوات الأخيرة تغيّر المشهد البشري في المدن اليابانية بهدوء، ولكن بعمق لا يمكن تجاهله.
فبحسب بيانات وزارة العدل ووزارة الصحة والعمل والرفاهية، تجاوز عدد المقيمين الأجانب في اليابان في نهاية عام 2024 حاجز 3.
7 ملايين شخص، أي بزيادة تفوق 10 % خلال عام واحد فقط، بينما وصل عدد العمال الأجانب وحدهم نحو 2.
3 مليون عامل، وهو أعلى رقم في تاريخ البلاد الحديث.
هذا يعني أن ما يقرب من 3 إلى 4 % من القوة العاملة في اليابان باتت اليوم من الأجانب، مقارنة بنسبة ضئيلة جدًا قبل عقدين فقط.
تتعدد الجنسيات واللغات في الشوارع: فيتناميون، صينيون، فلبينيون، وإندونيسيون، إلى جانب مقيمين من سريلانكا وميانمار ودول أخرى؛ الفيتناميون وحدهم يشكلون قرابة ربع العمال الأجانب.
ومع ذلك، بينما تتغيّر الشوارع، تبدو القلوب أبطأ بكثير في اللحاق بهذا التغيّر.
كثير من اليابانيين يقولون اليوم إنهم “قلقون من زيادة الأجانب”، لكن السؤال الحقيقي هو: هل يخافون من الأجانب حقًا، أم من تغيّر عالمهم المألوف الذي عاشوا في إطاره لعقود طويلة؟استطلاعات الرأي الوطنية تكشف مفارقة صارخة.
ففي مسح أجرته هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية عام 2020، قال نحو 70 % من المستجيبين إنهم يؤيدون زيادة عدد العمال الأجانب في اليابان بشكل عام، دعمًا للاقتصاد وتعويضًا لنقص اليد العاملة NHK.
لكن عندما تحوّل السؤال إلى مستوى الحياة اليومية الضيق – “هل تؤيد زيادة الأجانب في المنطقة التي تعيش فيها؟ ” – انخفضت نسبة التأييد إلى 57 % فقط.
الأكثر دلالة أن واحدًا من كل خمسة أشخاص تقريبًا: يؤيد زيادة الأجانب على مستوى البلاد، لكنه يعارض أن يزداد عددهم في منطقته هو.
هذا التناقض يقول الكثير: المشكلة ليست في “الأجانب كفكرة مجردة”، بل في دخولهم إلى دائرة الحياة اليومية: إلى الحيّ، والمدرسة، وقطار الصباح، والسوبرماركت القريب.
ومؤخرًا، أظهر استطلاع أجرته صحيفة اقتصادية كبرى أن نسبة من يرون “زيادة الأجانب في أماكن العمل أو الأحياء أمرًا غير جيد” ارتفعت إلى 37 %، وهي أعلى نسبة منذ بدء هذا النوع من الاستطلاعات، بينما تراجعت نسبة من يعتبرون الزيادة “أمرًا جيدًا” من نحو 70 % إلى 57 % خلال عام واحد.
بمعنى آخر: ما يثير القلق هو تغيّر “الفضاء المألوف” أكثر مما هو الخوف من الأشخاص الأجانب بذاتهم.
حين يُسأل اليابانيون عن سبب قلقهم من زيادة الأجانب، تتكرر إجابات معروفة تكاد تصبح “قائمة جاهزة”: الخوف من تدهور الأمن، ومن ارتفاع الجرائم، ومن عدم احترام “القواعد” المتعلقة بالقمامة والضجيج والاصطفاف.
كما يذكر كثيرون اختلاف اللغة والعادات بوصفه مصدرًا محتملًا للمشكلات وسوء الفهم.
اللافت أن هذه المخاوف تظهر حتى في المناطق التي يكاد لا يوجد فيها أجانب أصلًا، أو لم تقع فيها حوادث كبيرة متعلّقة بهم، ما يشير إلى أن القلق موجّه إلى “فكرة الانهيار” أكثر من كونه نتاج تجربة مباشرة.
بمعنى آخر، ما يقلق الناس هو صورة عامة عن اختلال “النظام”، لا جارك الأجنبي الذي ربما لم تلتقِ به بعد.
المجتمع الياباني يعتمد بدرجة كبيرة على قواعد غير مكتوبة: أن تفهم بالإيحاء، أن “تقرأ الجو”، أن تتصرّف وفقًا لما يتوقّعه الآخرون منك من دون أن يشرحوا ذلك صراحة.
وجود أشخاص لا يشتركون في هذه الخلفية الثقافية يجعل كثيرين يشعرون بأن هذه الأرضية نفسها بدأت تهتز تحت أقدامهم، وأن اللغة الصامتة التي كانوا يجيدونها لم تعد كافية لتسيير الحياة اليومية.
في استطلاع NHK نفسه، عندما سُئل المواطنون عمّا يتوقعونه من الحكومة فيما يخصّ “التعايش مع الأجانب”، كان الجواب الأكثر شيوعًا هو: “نريد من الدولة أن تعلّم الأجانب القواعد والآداب اليابانية”.
هذا يعني أن غالبية اليابانيين لا تقول: “لا نريد الأجانب إطلاقًا”، بل تقول بدقة أكبر: “نقبلهم، إذا التزموا بقواعدنا كما هي”.
من زاوية معينة، يظهر هذا كحرص على النظام وحسن الجوار؛ ولكنه من زاوية أخرى، يعكس رغبة في أن يأتي التغيّر من طرف واحد تقريبًا.
في الوقت ذاته، تُظهر بيانات NHK أن ما يقلق الناس في زيادة الأجانب محليًا هو بالدرجة الأولى “مشكلات اللغة والثقافة”، ثم “تدهور الأمن”.
أما ما ينتظرونه إيجابيًا من زيادة الأجانب فهو “إدخال أفكار وثقافات جديدة” للمجتمع، وهو البند الذي حاز النسبة الأعلى بين عناصر “التوقعات”.
هكذا نرى صورة مركّبة: قبول لفكرة التعايش من حيث المبدأ، واعتراف بالفوائد المحتملة، لكن مع رغبة واضحة في أن يتغيّر الأجانب أكثر بكثير مما يتغيّر المجتمع الياباني نفسه.
هنا يبرز جوهر المسألة: الخوف ليس من “الآخر” بقدر ما هو من أن تُطالَب أنت أيضًا بالتغيّر؛ أن تضطر للتحدّث بلغة ثانية، أو أن تشرح ما كان يعتبر “بديهيًا”، أو أن تعيد التفكير في معنى “القواعد” ومن يخدمها.
اليابان بلد يواجه تراجعًا سكانيًا سريعًا وشيخوخة عميقة؛ عدد السكان في انخفاض مستمر، ونسبة كبار السن في ارتفاع حاد.
في هذا السياق، لم تعد الأيدي العاملة الأجنبية خيارًا ثانويًا، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واضحة في قطاعات عديدة: الصناعة، الزراعة، الرعاية، والخدمات.
فوزارة الصحة والعمل تشير إلى أن عدد العمال الأجانب ارتفع بأكثر من 250 ألفًا في عام واحد، وأن قطاعات مثل الرعاية الطبية والبناء والسياحة تشهد أعلى نسب زيادة في توظيف الأجانب.
في استطلاعات الرأي، يعترف غالبية المواطنين بهذه الحقيقة، بل ويعبّرون عن أملهم في أن تجلب الهجرة “حيوية جديدة” و”تنوعًا ثقافيًا” للمجتمع الياباني.
لكن في الخلفية، تبقى الهواجس اليومية حيّة: “ماذا عن مدارس أولادنا؟ عن الأمان في الشارع ليلًا؟ عن الأصوات الغريبة التي لا نفهمها في جوارنا؟ عن اللافتات المكتوبة بلغات لا نقرأها؟ ” بهذا المعنى، يعيش الياباني العادي حالة “ازدواج”: هو يدرك عقلانيًا أن الأجانب ضروريون لمستقبل البلد، لكنه يخشى عاطفيًا أن يهتز عالمه الصغير؛ عالم الحيّ والعائلة وروتين الحياة اليومية الذي اعتاد عليه.
البيانات تقول “الهجرة ضرورة”، لكن القلب يقول “التغيير مخيف”.
لفهم هذا الخوف، علينا أن ننظر كيف يتشكّل “العالم المألوف” في المخيال الياباني.
إنه عالم يسوده الانسجام الظاهر، يقلّ فيه الاحتكاك الصريح، وتُدار فيه الخلافات بالتلميح والتنازل الصامت أكثر مما تُدار بالنقاش المفتوح.
في هذا العالم، يُفضَّل أن تُقرأ النوايا من بين السطور، لا أن تُقال مباشرة أمام الجميع.
عندما يدخل أشخاص لا يتقنون هذه اللغة غير المنطوقة، يتغيّر إيقاع الحياة نفسه.
فلا تعود “قراءة الجو” كافية، بل يصبح من الضروري أن نتكلّم بوضوح، وأن نشرح ما لم يكن يُشرح، وأن نضع القواعد في كلمات بعد أن كانت تعيش في الظل.
بالنسبة لكثيرين، تعني زيادة الأجانب بداية زمن لا تكفي فيه مهارات الانسجام الصامت، بل يصبح التواصل المباشر والتفاوض على القواعد الجديدة جزءًا من الحياة اليومية.
هذا الانتقال من عالم مغلق متجانس نسبيًا إلى عالم مفتوح متعدّد، هو ما يثير القلق العميق: الخوف من أن يصبح الواحد منا “غريبًا” في بلده هو، وأن يفقد امتياز كونه دائمًا “الشخص الذي يفهم كل شيء دون شرح”.
إذا قبلنا أن اليابانيين لا يخافون من “الأجانب” بقدر ما يخافون من تغيّر عالمهم المألوف، فإن السؤال المحوري يتغيّر.
لم يعد السؤال: “كيف نجعل الأجانب يتكيّفون معنا بأقل ثمن؟ ”، بل أصبح: “كيف نهيّئ أنفسنا نحن لتغيّر لم يعد من الممكن وقفه؟ ”، هذا يعني، على المستوى العملي:• أن نتعلم لغات، ولو في حدود بسيطة، حتى لا يكون عبء التواصل على طرف واحد فقط.
• أن نعتاد شرح “القواعد” التي كانت غير مكتوبة، وأن نعيد النظر في ما إذا كانت كلها ضرورية أو عادلة لكل من يعيش في هذا البلد.
• أن نعترف بأن الأمان والاستقرار في القرن الحادي والعشرين لن يتحققا بالعودة إلى مجتمع متجانس، بل ببناء قدرة جماعية على إدارة الاختلاف والتنوّع.
التعايش لا يعني أن يختفي “الآخر”، بل أن نتعلّم كيف نعيش مع وجوده ومع تغيّرنا نحن في الوقت نفسه.
الأجانب ليسوا المرآة التي تهدّد بتحطيم العالم الياباني، بل ربما هم المرآة التي تعكس هشاشة هذا العالم عندما يصرّ على ألا يتغيّر.
لهذا، فإن السؤال الذي يواجه اليابان اليوم ليس: “كم عدد الأجانب الذي يمكننا تحمّله؟ ”، بل: “إلى أي مدى نحن مستعدّون لأن نغيّر صورنا عن أنفسنا، عن مجتمعنا، وعن معنى أن نقول: نحن؟ ”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك