تتجه الأزمة السياسية في إسبانيا إلى مستوى غير مسبوق بعد قرار قاضي المحكمة الوطنية الإسبانية سانتياغو بيدراز توجيه اتهامات إلى شخصيات بارزة في الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE)، ضمن تحقيق يتعلق بشبهات تشكيل شبكة منظمة هدفت إلى التأثير على مسارات قضائية وتحقيقات أمنية كانت تطاول الحزب الحاكم ومحيط رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.
القضية، التي باتت تُعرف في الإعلام الإسباني بملف" شبكة لييري دييث"، تمثّل أحدث حلقات الضغط السياسي والقضائي على حكومة سانشيز، في وقت تواجه فيه السلطة التنفيذية اتهامات متصاعدة من المعارضة بمحاولة احتواء التحقيقات المرتبطة بقضايا فساد ونفوذ.
وقرر القاضي بيدراز إدراج الأمين السابق للتنظيم في الحزب الاشتراكي سانتوس سيردان، ونائب رئيس حكومة إقليم الأندلس السابق غاسبار ثارياس، والمديرة الإدارية للحزب آنا ماريا فوينتيس، ضمن قائمة المتهمين، إلى جانب الناشطة الاشتراكية السابقة لييري دييث كاسترو، ورجل الأعمال خافيير بيريث دولسيت.
كما أصدر أوامر إلى وحدة العمليات المركزية التابعة للحرس المدني الإسباني بالتوجه إلى المقر المركزي للحزب الاشتراكي في شارع" فيراث" بمدريد للحصول على وثائق وملفات إلكترونية مرتبطة بالقضية، في خطوة تعكس اتساع التحقيق وحساسيته السياسية.
وبحسب القرار القضائي، يحقق القضاء الإسباني في وجود" هيكل منظم ومستمر" عمل على" زعزعة" إجراءات قضائية وتحقيقات شرطية من شأنها الإضرار بالحزب الاشتراكي أو بالحكومة أو تعطيلها.
ويواجه المتهمون سلسلة واسعة من التهم الثقيلة تشمل تشكيل منظمة إجرامية، والرشوة، وتسريب أسرار، واستغلال النفوذ، والتحريض على الشهادة الزور، والتزوير التجاري، إضافة إلى جرائم ضد مؤسسات الدولة.
ويرى القاضي أن النشاط المشتبه به لم يكن عملاً فردياً أو ظرفياً، بل جزءاً من عملية منسقة استمرت لفترة طويلة، وتضمنت اجتماعات واتصالات متكررة داخل وخارج مقر الحزب الاشتراكي.
ويضع التحقيق القضائي بداية التحركات المشتبه بها في إبريل/ نيسان 2024، بالتزامن مع الأزمة السياسية التي اندلعت عقب فتح تحقيق بحق بيغونيا غوميث، زوجة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.
وكان سانشيز قد أعلن حينها تعليق نشاطه السياسي مؤقتاً لـ" التفكير" في مستقبله السياسي، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل إسبانيا، وعُرفت إعلامياً بـ" أيام التأمل".
ويعتبر القاضي بيدراز أن تلك المرحلة شكلت" نقطة تحول" دفعت قيادات في الحزب الاشتراكي إلى البحث عن وسائل لاحتواء التداعيات القضائية والسياسية التي كانت تتوسع تدريجياً حول الحزب ومحيط رئيس الحكومة.
وفي هذا السياق، يشير التحقيق إلى اجتماع عقد في 26 إبريل/ نيسان 2024 داخل مقر الحزب الاشتراكي في مدريد، حضره سانتوس سيردان، ولييري دييث، ورجل الأعمال خافيير بيريث دولسيت، إلى جانب مسؤولين حزبيين آخرين، باعتباره الاجتماع الذي انطلقت بعده التحركات المنظمة موضوع التحقيق.
اجتماعات متكررة داخل مقر الحزبوكشف القرار القضائي عن رصد ما لا يقل عن 22 اجتماعاً بين لييري دييث وسانتوس سيردان داخل مقر الحزب الاشتراكي في شارع" فيراث"، إضافة إلى 17 اجتماعاً آخر خارج المقر أو في أماكن لم يتم تحديدها.
ويعتقد المحققون أن تلك اللقاءات استُخدمت لتنسيق التحركات المتعلقة بالملفات القضائية ومتابعة التطورات المرتبطة بالقضايا التي كانت تمس الحزب أو شخصيات قريبة من الحكومة.
كما أشار القرار إلى وجود ملاحظات مكتوبة بخط اليد منسوبة إلى لييري دييث، تتحدث فيها عن محاولات سابقة للتواصل مع قيادة الحزب، قبل أن" يتغير الوضع" بعد تفجر قضية زوجة سانشيز.
شبهات تزوير وفواتير مضللةومن بين الجوانب الأكثر حساسية في التحقيق، الاتهامات الموجهة إلى المديرة الإدارية للحزب الاشتراكي آنا ماريا فوينتيس، والتي يشتبه القضاء في تورطها بإصدار فواتير" غير حقيقية أو مضللة"، في ما قد يندرج ضمن جرائم التزوير التجاري.
ويرى القاضي أن حجم المعاملات المالية الخاضعة للتحقيق وطبيعة الوقائع المفترضة يبرران توسيع نطاق الإجراءات القضائية وطلب الوثائق الإلكترونية الخاصة بالحزب.
كما امتد التحقيق إلى شخصيات أخرى مرتبطة بالحزب الاشتراكي، من بينها الرئيس السابق للبريد الإسباني" كوريوس" خوان مانويل سيرانو، الذي يشتبه القضاء في احتمال تعاونه مع بعض المتهمين، وإن كان القاضي قد أشار إلى أن تحديد مسؤوليته الجنائية ما زال مرتبطاً بتطور التحقيقات.
وتأتي هذه القضية في واحدة من أكثر اللحظات حساسية بالنسبة إلى حكومة بيدرو سانشيز، التي تواجه منذ أشهر تصاعداً في الضغوط السياسية والإعلامية على خلفية ملفات فساد متلاحقة، أبرزها قضية" كولدو" المتعلقة بصفقات شراء كمامات ومعدات طبية خلال جائحة كورونا، إضافة إلى التحقيقات التي طاولت مقربين من رئيس الوزراء، وفي مقدمتهم زوجته بيغونيا غوميث.
وأعادت القضية الجديدة إلى الواجهة الاتهامات التي يوجهها اليمين الإسباني للحكومة بمحاولة" تسييس" المؤسسات واستخدام النفوذ الحزبي للتأثير على مسار القضاء والتحقيقات الأمنية، وهي اتهامات تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى محور رئيسي في خطاب المعارضة المحافظة.
وفي هذا السياق، كثّف حزب الشعب اليميني وحزب" فوكس" اليميني المتشدد ضغوطهما السياسية للمطالبة بإجراء انتخابات عامة مبكرة، معتبرين أن استمرار تفجر قضايا الفساد يضعف شرعية الحكومة ويهدد استقرار المؤسسات.
كما تحاول المعارضة استغلال هذه الملفات للضغط على الأحزاب القومية واليسارية الصغيرة التي توفر الغطاء البرلماني لحكومة سانشيز، بهدف دفعها إلى إعادة النظر في دعمها للحكومة أو حتى تأييد أي تحرك مستقبلي لحجب الثقة عنها داخل البرلمان.
وتزداد حساسية المشهد السياسي الإسباني مع اتساع دائرة الأسماء المرتبطة بالقضية، بعدما امتدت النقاشات والاتهامات داخل الأوساط القضائية والإعلامية إلى رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، في تطور يعكس حجم الارتدادات السياسية التي باتت تضرب الحزب الاشتراكي الحاكم.
ورغم أن التحقيق القضائي الحالي لا يطاول بيدرو سانشيز شخصياً، فإن اقترابه من الدائرة القيادية للحزب الحاكم ومن شخصيات تُعد من أبرز حلفائه السياسيين يجعله من أخطر الملفات التي واجهتها الحكومة منذ وصول الاشتراكيين إلى السلطة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك