منذ أن طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب موافقته على نقل يورانيوم إيران عالي التخصيب من المواقع النووية الإيرانية إلى مكان آخر، ثارت تساؤلات عن الدولة التي يمكن أن تستضيف هذا اليورانيوم، وعقب اجتماع مجلس الوزراء الرئاسي في البيت الأبيض، رفض الرئيس الأميركي تسليم مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى روسيا أو الصين، قائلاً إن هذا لن يريحه، في وقت زار فيه رافاييل غروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أستانا، وأبدى رئيس كازاخستان استعداد بلاده للعب دور في أزمة النووي الإيراني.
فلماذا أصبحت كازاخستان الأوفر حظاً للقيام بهذه المهمة؟ وهل كان لارتباطها التجاري والثقافي الوثيق مع إيران، فضلاً عن علاقتها القوية مع واشنطن وتل أبيب، وخبرتها النووية الواسعة، الدور الحاسم في هذا الأمر؟عقب اجتماع مطول مع مجلس الوزراء الرئاسي في البيت الأبيض، لم يشر ترمب إلى قرب التوصل إلى أي اتفاق ينهي الحرب مع إيران، على رغم تلميحات واشنطن وطهران في الأيام الأخيرة إلى قرب التوصل إلى اتفاق محدود يمدد وقف إطلاق النار ويعيد فتح مضيق هرمز، فيما بدا أن مستقبل البرنامج النووي ومخزون إيران من اليورانيوم المخصب هو أكبر عقبة تمنع التوصل إلى اتفاق، إذ لا تزال إيران ترغب في مناقشة التفاصيل الخاصة ببرنامجها النووي خلال المفاوضات المقبلة التي تستغرق ما بين 30 إلى 60 يوماً.
لكن مع تأكيدات المسؤولين الأميركيين بأن طهران وافقت على نقل اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة إلى خارج إيران، الذي تبلغ كميته 440 كيلوغراماً، وتقديم ترمب أخيراً قدراً من التنازل، حين أوضح قبوله مجموعة خيارات في شأن ما يسميه" الغبار النووي"، وهي نقله إلى الولايات المتحدة لتدميره هناك، أو تدميره في مكانه داخل إيران بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو نقله إلى مكان آخر بالتعاون مع الوكالة أو هيئة أخرى، أصبح الباب مشرعاً أمام استقبال دولة ثالثة هذا اليورانيوم شرط أن تقبل بها كل من واشنطن وطهران، وتتوافر لديها الشروط الفنية المطلوبة في المجال النووي، وتتمتع بعلاقات وثيقة ومضمونة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
غير أن تأكيد ترمب القاطع خلال اجتماع مجلس الوزراء الرئاسي في البيت الأبيض أمس الأربعاء بأنه غير مرتاح لنقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى أي من الصين أو روسيا، قطع الشك باليقين، إذ عبر عن رفض أميركي لتولي قوتين نوويتين تتمتعان بعلاقة متينة واستراتيجية بإيران هذه المسؤولية.
وعلى رغم أن ترمب لم يفصح سبب رفضه للدور الروسي والصيني في هذه العملية، إلا أن هناك أسباباً عدة يبدو أنها دفعت ترمب لحسم أمره في هذا الشأن من بينها العقبات الجيوسياسية والدبلوماسية والتحققية، وافتقار واشنطن وبكين حالياً إلى الثقة المتبادلة اللازمة لمثل هذه الترتيبات، إذ يعد نقل اليورانيوم المخصب أو تخفيف تركيزه هدفاً للولايات المتحدة، ونقله ببساطة إلى الصين لا يزيل المخاوف المتعلقة بالشفافية والسيطرة طويلة الأمد والنفوذ الاستراتيجي.
وهناك سبب آخر يتعلق بالطابع العملي للسياسة الخارجية الصينية الذي يركز بصورة أساس على أمنها الطاقي المحلي واستقرارها الاقتصادي، وربما تتردد بكين عموماً في المخاطرة بمواجهة جيوسياسية مع الولايات المتحدة من خلال أن تصبح ضامناً نووياً مباشراً لإيران.
أما روسيا، فعلى رغم كونها الدولة الوحيدة التي لديها تجربة سابقة في التعاون مع إيران حينما نقلت 11 طناً من اليورانيوم المخصب إليها ضمن اتفاق عام 2015، فضلاً عن خبرتها في نقل 500 طن من اليورانيوم السوفياتي عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة لتحويله إلى وقود للمفاعلات الأميركية، إلا أن العرض الروسي لم يكن مطروحاً على طاولة المفاوضات لأن واشنطن لا تبدي أي اهتمام بمقترح موسكو، وسبق للرئيس ترمب أن رفض تولي موسكو مسؤولية حفظ هذا المخزون، بحجة ضرورة تأمينه وفق شروط مختلفة لتجنب أي لبس في شأن القدرات النووية الإيرانية.
قبل رفض ترمب القاطع أي دور روسي أو صيني، لاحت فرصة سانحة لدولة جارة لإيران على بحر قزوين كي تقوم بدور البديل المناسب الذي يمكنه تقديم الحل، فقد أعربت كازاخستان عن نيتها دعم حل القضية النووية الإيرانية، إذ التقى الرئيس الكازاخستاني قاسم زومارت توكاييف مع الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي في العاصمة أستانا يوم الثلاثاء لمناقشة التوترات الجيوسياسية الأخيرة.
وأفاد بيان صادر عن مكتب الرئيس بأن كازاخستان مستعدة لدعم حل الوضع المحيط بالبرنامج النووي الإيراني في حال التوصل إلى اتفاق دولي مناسب من منطلق حسن النية، وهو موقف سبق للرئيس توكاييف عرضه خلال اجتماع له مع وزير خارجية البرازيل يوم الـ11 من مايو (أيار) الجاري.
حظيت خطوة كازاخستان باهتمام متزايد بعدما ألمح الرئيس ترمب إلى إمكان الاستعانة بدولة ثالثة في ما يتعلق بكيفية تعامل إيران مع اليورانيوم المخصب، وتأتي هذه الأهمية من مجموعة معايير ضرورية للغاية تلبيها كازاخستان، من بينها أنها تخلت عن أسلحتها النووية وانضمت إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية منذ تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، وتعد دولة تتمتع بسجل مميز في مجال عدم الانتشار النووي، فضلاً عن تاريخها العريق في إدارة المواد النووية بصورة آمنة، كما أنها ستمتلك أيضاً عدة محطات طاقة نووية بما يشير إلى قفزة نوعية في حجم العمل الذي ستنجزه الوكالة الدولية للطاقة الذرية معها.
وإضافة إلى ذلك، فإن كازاخستان هي" البنك" الوحيد في العالم لليورانيوم منخفض التخصيب، التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي اكتمل بناؤه عام 2017، ويعد بمثابة ضمانة، إذ يعمل كمستودع آمن ومحايد لتزويد الدول بالوقود النووي منخفض التخصيب للأغراض السلمية، مما يغنيها عن تطوير تقنيات التخصيب الحساسة الخاصة بها.
وتنتج كازاخستان نحو 40 في المئة من اليورانيوم في العالم، مما يجعلها أكبر مورد لليورانيوم في العالم ولاعب رئيس في دورة الوقود النووي بأكملها، مما يمنحها بنية تحتية وخبرات ومرافق هائلة لمعالجة وتخزين المواد النووية، كما تتبنى أستانا (نور سلطان حالياً) سياسة خارجية متعددة الأطراف، وتربطها علاقات ثنائية متينة مع الدول الغربية وروسيا والشرق الأوسط، مما يجعلها تتمتع بقدرة نادرة على أن تكون وسيطاً مقبولاً من جميع الأطراف دولياً.
تتسم العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين كازاخستان وإيران بالعمق والتجذر التاريخي والتعاون العملي، وبفضل إرث طريق الحرير المشترك الذي يمتد لقرون، تحافظ الدولتان على شراكات وثيقة، وتوسعان علاقاتهما التجارية، وتطوران ممرات نقل عابرة لأوراسيا.
ترتبط كازاخستان وإيران منذ انطلاق العلاقة الدبلوماسية بينهما عام 1992، بشراكة عملية وودية، ترتكز على التجارة الزراعية والتعاون اللوجستي والمصالح الحدودية المشتركة عبر بحر قزوين، ويقودها هدف طموح طويل الأجل يتمثل في الوصول بحجم التبادل التجاري السنوي إلى 3 مليارات دولار أميركي، ومع ذلك تشهد الديناميكية الاقتصادية بينهما الآن تباطؤاً حاداً نتيجة تصاعد الصراع العسكري والتوترات في الخليج العربي والعقبات المستمرة في المعاملات المصرفية، نتيجة للعقوبات الأميركية والدولية المفروضة على إيران، وهو ما أدى إلى تقييد التعاون التجاري إلى نحو 450 مليون دولار أميركي فقط.
ولهذا فإن مساهمة كازاخستان في حل العقدة الماثلة حول اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب بالتوازي مع رفع العقوبات الأميركية عن إيران سيوفر لأستانا منفذاً حيوياً إلى الخليج العربي، إذ يمكن لها تصدير صادراتها الزراعية، إضافة إلى توفير طريقاً مباشراً إلى التجارة البحرية العالمية، مما يقلل بصورة كبيرة من أوقات الشحن ويساعدها في تجاوز الطرق الشمالية المزدحمة والمحفوفة بالأخطار الجيوسياسية عبر روسيا، كما أن رفع العقوبات سيزيل أخطار العقوبات الثانوية، مما يسمح لأستانا بالاستفادة الكاملة من البنية التحتية الإقليمية وتوسيع نفوذها الجيوسياسي.
ومن المتوقع مع انفراج الأزمة، بحال الالتزام بتنفيذ اتفاق سلام بين واشنطن وطهران، استفادة كازاخستان في نواح مختلفة، منها توسيع صادراتها الزراعية، إذ تعد إيران وجهة رئيسة للحبوب الكازاخستانية، إذ تمثل تاريخياً أكثر من 25 في المئة من صادرات القمح و60 في المئة من مبيعات الشعير، كما أن من شأن إزالة القيود المالية تبسيط المعاملات المصرفية والنقدية، مما يسمح للمزارعين الكازاخستانيين بزيادة صادراتهم من دون التكاليف الباهظة للتأمين وتحويل العملات التي غالباً ما تسببها العقوبات.
وفي مجال الطاقة، فإن زيادة النفط الإيراني المتوفر مجدداً في السوق العالمية قد تؤدي إلى انخفاض أسعار النفط الخام، وسيمكن رفع العقوبات كازاخستان من استكشاف إمكان تبادل الطاقة المباشر، ومشاريع البتروكيماويات المشتركة، والاستثمار في البنية التحتية مع إيران.
ومن شأن تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران أن يخفف الأعباء الجيوسياسية، ويهيئ بيئة آمنة للشركات الكازاخستانية والاتحاد الاقتصادي الأوراسي لإقامة تجارة حرة مع طهران.
تتميز العلاقات بين كازاخستان والولايات المتحدة بقوة استثنائية، ويصفها الدبلوماسيون على نطاق واسع بأنها في أوج قوتها انطلاقاً من شراكة استراتيجية معززة، تحافظ من خلالها الدولتان على روابط وثيقة في قطاعات حيوية، مع مراعاة الواقع الجغرافي لكازاخستان والمصالح الجيوسياسية المشتركة.
ترتكز هذه العلاقة الثنائية على ركائز أساسية عدة أولها اقتصادي، إذ تعد الولايات المتحدة أكبر مستثمر أجنبي في كازاخستان، باستثمارات مباشرة تتجاوز 60 مليار دولار، وتعمل في البلاد أكثر من 600 شركة أميركية، مثل" شيفرون" و" إكسون موبيل" و" أمازون"، تلعب أدواراً رئيسة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية للأقمار الاصطناعية والنقل بالسكك الحديدية.
ومع تسارع التحول العالمي، ركزت الولايات المتحدة على كازاخستان كمصدر للمعادن الحيوية، وفي مجال الطاقة النووية المدنية.
وعلى رغم حفاظ كازاخستان على علاقات تاريخية مع روسيا والصين، أصبحت شريكاً حيوياً للولايات المتحدة في آسيا الوسطى، إذ تتلقى دعماً أميركياً في تطوير طرق تجارية وعابرة بديلة تتجاوز روسيا، كما لا يزال التعاون قوياً في مجالات منع الانتشار النووي ومكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي.
وعلى رغم أن كازاخستان أقامت علاقات طبيعية طويلة الأمد مع إسرائيل تعود لتسعينيات القرن الماضي عندما تفكك الاتحاد السوفياتي، إلا أنها وافقت على الانضمام إلى الميثاق الدبلوماسي لاتفاقات أبراهام في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، موسعة بذلك نطاق الاتفاق ليشمل مناطق أخرى غير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما أدى إلى دخول العلاقات الثنائية مرحلة جديدة نشطة.
تقوم هذه الشراكة على ثلاثة أركان رئيسة، أولها التعاون السياسي والدبلوماسية، والروابط التاريخية، فبعكس الدول العربية الموقعة على الاتفاقات، أقامت كازاخستان علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل في عام 1992.
واتسمت العلاقة بينهما بالهدوء، إذ تستغل كازاخستان موقعها كدولة محايدة ذات غالبية مسلمة لتعزيز الحوار بين الأديان والعمل كجسر دبلوماسي بين إسرائيل والعالم الإسلامي، فيما يسعى البلدان إلى مضاعفة حجم تجارتهما الثنائية ثلاث مرات، مدعوماً برحلات جوية مباشرة مرتقبة واتفاقات جديدة لإلغاء الازدواج الضريبي، كما ركزت المبادرات المشتركة بصورة كبيرة على تصدير إسرائيل خبراتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والقدرات السيبرانية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)من الناحية المادية، تقوم العلاقة على تبادل عملي، إذ تصدر كازاخستان النفط الخام والقمح إلى إسرائيل، بينما تقدم إسرائيل حلولاً تقنية في إدارة المياه والزراعة، وفي مجال الدفاع والأمن وسعت إسرائيل تراخيص التصدير إلى كازاخستان، لتزويدها بأنظمة دفاعية وقدرات عسكرية هجومية وطائرات مسيرة، مما يشير إلى أن اختيار كازاخستان لاستقبال ومعالجة اليورانيوم المخصب الإيراني لن يواجه شكوكاً أو معارضات من جانب إسرائيل.
ومع ذلك، لا يزال وضع اليورانيوم عالي التخصيب الإيراني غير واضح، إذ لم يتمكن المراقبون الدوليون من زيارة بعض المواقع في البلاد لمدة 10 أشهر في الأقل، وقد تعقد الأضرار الناجمة عن الضربات الأميركية الإسرائيلية العام الماضي أية عملية إزالة، ولهذا يشير أندرو ويبر، الباحث البارز في مجلس الأخطار الاستراتيجية والمسؤول السابق في" البنتاغون"، الذي شارك في عمليات إزالة سابقة، إلى أن" هذه العملية ستكون الأكثر تعقيداً لإزالة اليورانيوم في التاريخ بالنظر إلى المتطلبات اللوجستية، والأخطار الأمنية لكمية" اليورانيوم" الذي يعتقد أنه موجود في الأنفاق تحت الأرض في مجمع أصفهان وموقع نطنز للتخصيب، وكلاهما تضرر في الغارات الإسرائيلية والأميركية في يونيو (حزيران) من العام الماضي".
وبينما تجري مفاوضات حول مذكرة التفاهم، التي تعتبر بمثابة خريطة طريق للمفاوضات المستقبلية في شأن قضايا عدة على رأسها البرنامج النووي الإيراني، إلا أن طهران ترفض في العلن التنازل عن أي جزء من برنامجها النووي بما يسمح للرئيس ترمب بادعاء النصر على رغم أن نقل المخزون كان خياراً مطروحاً في المحادثات، وتريد بدلاً من ذلك، ترك الملف برمته للتفاوض بين الجانبين خلال فترة تتراوح بين 30 و60 يوماً، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة التي لا تزال حتى الآن متمسكة بضرورة التزام إيران بعدم السعي إلى إنتاج سلاح نووي في أي وقت في المستقبل، والالتزام بتدمير اليورانيوم عالي التخصيب أو إخراجه بالكامل إلى طرف ثالث.
وإلى حين اتفاق الطرفين على القضايا العالقة في مذكرة التفاهم، يظل الوضع على ما هو عليه بينما تتزايد احتمالات الانفجار العسكري قائمة نتيجة التوترات المستمرة في مضيق هرمز، واستمرار إغلاقه وفرض الحصار البحري على إيران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك