عقيدة الشخصية المصرية أن تُدفن في أرض مصر التى ظهرت واتضحت عند حفر قناة السويس 1859 إلى 1869 حيث مات أكثر من 200 ألف عامل أثناء الحفر عاد معظمهم إلى قراهم سواء في الجنوب بصعيد مصر أو إلى قرى الدلتا أو غيرها من المحافظات.
يعود كل شهيد حفر قناة السويس إلى بلاده ليُدفن في أحضان أرضه وأهله وأحبابه.
والأمر لا يقتصر على الفلاحين مثل سنوحي في مصر القديمة ولا على العمال المصريين في قناة السويس القديمة.
بل يشترك الملوك والحكام في وصيتهم لتعود جثامينهم إلى أرض مصر كما حدث للخديوي عباس حلمي الثاني الذي أحبه المصريون وحزنوا عند وفاته في جنيف 1944 ليعود إلى مصر ويُدفن كما كانت وصيته.
كذلك الملك فاروق الذي مات في إيطاليا 1965 وأوصى بدفنه في مصر، وهذا ما حدث لاحقاً عندما دُفن في مصر بمسجد الرفاعي.
كذلك حال الفنانين المصريين عندما عادت جثامينهم إلى تراب مصر ليودعهم ملايين المصريين تأكيداً دامغاً على ارتباط الشخصية المصرية بأرضها.
عاش أم هاجر أم مات فهو في النهاية إلى حضن بلاده يعود.
أم كلثوم 1975 عندما كانت تُعالج في لندن ثم عادت إلى مصر.
كذلك عبدالحليم حافظ الذي مات في لندن 1977 وعاد ليُدفن في مصر.
وسعاد حسني التى قُتلت فى لندن 2001 وعادت لتُدفن فى بلادها.
وكما عاد أحمد عرابي ليُدفن في مصر بعد منفاه في سيلان نرى مثالاً وطنياً لا مثيل له عندما مات الزعيم محمد فريد في برلين بألمانيا 1919 وكانت وصيته أن يُدفن في مصر.
فتبرع بتكاليف عودة جثمان الزعيم محمد فريد الحاج خليل عفيفي من تجار الزقازيق.
ورغم أن الموسيقار فريد الأطرش لبناني وليس مصرياً لكنه تربى في مصر وأصبحت عقيدته مثل كل مصري راسخة لا تتغير وهي أن يُدفن في مصر.
وهذا ما حدث 1974 عندما مات الموسيقار فريد الأطرش وعاد إلى مصر ليُدفن حسب وصيته في مصر أيضاً.
وفي سنة 2017 تم العثور على رفات جندي مصري وسط سيناء فتكلفت الحكومة المصرية بإعادة رفات الجندي المصري ليُدفن في قريته وسط أهله وأحبابه.
وفى سنة 2015 عندما استشهد 21 مصرياً في ليبيا بأيدى المتطرفين قامت الدولة المصرية بالانتقام لشهدائها وإعادة جثامينهم إلى الوطن ليُدفنوا في مصر، والذي يؤكد أن عقيدة المصري وهويته وشخصيته المصرية مرتبطة رباطاً مقدساً مع أرضهم هو إصرار الأسرة المصرية على تحمل أوجاع الفراق والإصرار على إعادة جثامين أبنائها إلى مصر.
وتجلى هذا بتحمل الأسرة التي فقدت بالموت فى الغربة الآلاف من رجالات مصر ورغم أن هذا التحمل المكلف فوق طاقة الأسرة المصرية العادية والمتوسطة.
وهذه التكاليف تُدفع مهما كانت فوق طاقة المصريين.
ويكفي أن نعرف أن عودة الجثامين من الخليج إلى مصر تتكلف من 40 ألفاً إلى 150 ألف جنيه.
وتكاليف عودة جثامين أبنائهم من أوروبا إلى مصر من 150 ألفاً إلى 300 ألف جنيه.
ومن أمريكا تتكلف عودة المصريين إلى أوطانهم من 300 ألف إلى 700 ألف جنيه، وأستراليا من 500 ألف إلى 900 ألف جنيه.
تكلفة جنونية فوق مقدرة المصري البسيط.
ورغم ذلك ورغم قلة الحال وصعوبة جمع نصف أو ربع هذه المصاريف، فإن عودة هذه الجثامين إلى مصر أمر لا نقاش فيه.
وهكذا تبيع أسرة المتوفى خارج قريته ووطنه كل ما تملك لتستعيد أبناءها.
وهذه تكون حالات المصريين وارتباطهم بعودة جثامينهم حياة أو موتاً، يكفي أن تعلم أن كل مصري يستشهد أو يموت خارج وطنه تصبح عودة جثمانه ديناً لا يجب الكفر به.
حتى لو اضطروا إلى بيع كل ما يملكونه من مال وأرض زراعية ليعود المصري ويُدفن بين أهله.
وكأنه بعودته من هجرته سواء على قدميه أو داخل نعش هو يعود إلى وطنه ليكتمل اتصاله ويرتاح فى جنته.
وهذا المعنى العظيم الراسخ لا يتجلى ولا يزدهر إلا بعقيدة الشخصية المصرية وحبها لوطنها عالماً كان أو ملكاً أو فلاحاً أو منفياً أو متمرداً أو مضطراً أو مطروداً.
وبهذه المقدمة أكون قد مهّدت أسباب كتابة الجزء الثاني من «في الشخصية المصرية» بعنوان (من هاجر إلى).
هذا الكتاب يحوي خمسة أجزاء:الجزء الأول من الكتاب مخصص للهجرة إلى مصر، وعلى رأسهم رئيسة الديوان السيدة زينب حفيدة رسول الله، وغير ذلك سواء الهكسوس، أو الأوروبي (إيطالي، يوناني، روسي، صيني.
)أما الجزء الثاني فهو عن الهجرة من الريف إلى المدينة، وهي هجرة داخلية يتبعها نماذج شخصيات نجحت في هجرتها وشخصيات لم تنجح، سواء كانت لفنان أو سياسي أو اقتصادي أو عالم أو عامل من زمن مصر القديمة أو المعاصر، في محاولة لتفسير الشخصية المصرية من هاجر إلى الهجرة الداخلية.
وأما الجزء الثالث فعن المهاجر المصري إلى الخليج العربي.
أسبابها ونجاحاتها وصعوباتها والمشاكل التي صنعتها، وتأثير هذه الهجرة على ملامح الشخصية المصرية.
الجزء الرابع عن الهجرة إلى أوروبا، سواء كانت بسبب الحروب مثل الذهاب إلى المكسيك أيام مصر القديمة.
أو إلى أوروبا في الحرب العالمية الثانية.
أو بسبب الاحتلال عندما جمع محمد علي باشا الآلاف من العمالة المدربة إلى تركيا في الأستانة.
أو بسبب البعثات العلمية مثل بعثات محمد علي باشا.
أو بسبب الهجرة غير الشرعية بحثاً عن الرزق.
الجزء الخامس عن عودة المهاجرين المصريين، سواء بسبب اشتعال الحرب على العراق أو بسبب تغيرات اقتصادية وسياسية في بلاد الخليج.
وفي النهاية خاتمة تجمع ما استخلصته من نقاط وملامح وأسباب الهجرة إلى خارج مصر، في مناقشة إيجابيات الهجرة على الشخصية المصرية وما طرأ عليها بسبب هذه الهجرة.
أو بالسلبيات التي صنعتها هذه الهجرة على هوية وملامح الشخصية المصرية.
وننهي الكتاب بعودة حواس المصري التي تبحث عن جسده، وتتجلى في تجسد شخصية المصري التي لا مثيل لها في الدنيا ومن عليها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك