بغداد ـ “القدس العربي”: سبعة أيامٍ فقط منحها زعيم “التيار الصدري ـ التيار الشيعي الوطني”، مقتدى الصدر، لأتباعه المنخرطين في تشكيلات “سرايا السلام” المسلحة، لفكّ ارتباطهم بالتيار والاندماج في صفوف القوات الاتحادية، في خطوة تمثل اختباراً حقيقياً للصدر في إثبات مدى جديته وعشرات الآلاف من أتباعه المسلحين بالتخلي عن السلاح الذي حملوه طوال أكثر من عقدين.
وإضافة إلى إشراف الصدر على ثلاثة ألوية منضوية رسمياً في “هيئة الحشد الشعبي”، يُدينون بالولاء “للتيار”، غير أنه يسيطر “عقائدياً” على عشرات الآلاف غيرهم يتشرون في عموم مناطق البلاد، خصوصاً الجنوبية والوسطى، ويتمركزون بشكلٍ لافت في مناطق شرق العاصمة بغداد.
في أعقاب أحداث عام 2003، برز “التيار” وجناحه المسلح “جيش المهدي” الذي تحوّل لـ”سرايا السلام”وفي أعقاب أحداث عام 2003، برز “التيار” وجناحه المسلح “جيش المهدي” الذي تحوّل لـ”سرايا السلام”.
واتخذ أتباع رجل الدين الراحل محمد صادق الصدر، ونجله مقتدى الصدر فيما بعد، مسلك مقاومة القوات الأمريكية المحتلّة للبلاد، لينتقلوا بعدها إلى مرحلة جديدة اتسمّت بعنفها الطائفي.
وللسيطرة على الأوضاع المتوترة حينها، أطلق رئيس الوزراء العراقي آنذاك، نوري المالكي، حملة أمنية لاستهداف وملاحقة “المسلحين الصدريين” في مناطق وسط وجنوب البلاد (2006-2008)، حتى انتهى بهم الحال بين قتل واعتقال.
ومنذ ذلك الوقت، لم يُسجّل على المسلحين الصدريين أي حوادث تذكر، رغم أن ثقلهم الشعبي لا يزال ثابتاً، ويتضح بين الحين والآخر عبر نشاطات خدمية أو اجتماعية في حسم بعض النزاعات المحلّية.
واستمر الحال كذلك حتى صيف عام 2014، عندما أطلق رجل الدين الشيعي البارز علي السيستاني، فتوى “الجهاد الكفائي” للدفاع عن العراق أمام توغّل تنظيم “الدولة الإسلامية”، الأمر الذي شكّل حجر الزاوية في تأسيس “الحشد الشعبي” وظهور “الفصائل” الشيعية المسلحة إلى العلن.
ورغم مشاركة أتباع الصدر ضمن قوات “لواء اليوم الموعود”، وانضمامهم رسمياً لـ”الحشد الشعبي”، بثلاثة ألوية عسكرية (313، 314، 315)، غير أنهم لم يشاركوا في عمليات “التحرير” الكُبرى، باستثناء بعض العمليات القريبة من موقع تمركزهم في مدينة سامراء المقدّسة لدى الشيعة، في محافظة صلاح الدين.
وبعد هذه السنوات من حمل السلاح، قرر زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، التخلي عنه، ودمج أتباعه بالمؤسسات الحكومية الاتحادية، في قرار يعد الثالث من نوعه منذ عام 2017.
وحسب بيان الصدر، فإن قراره هذا جاء “انطلاقًا من المصلحة العامة للوطن، وتحاشيًا للمخاطر المحدقة بالوطن”، وصار لازماً عليه “انفكاك سرايا السلام عن التيار الشيعي الوطني انفكاكًا تامًا والتحاقهم التحاقًا تامًا بالدولة والمسؤول العام عن التشكيلات العسكرية على أن تتحول الجهات المدنية الملحقة بالسرايا إلى البنيان المرصوص وبلا أي مقار أو سلاح أو زي أو عنوان أو أي شيء آخر”.
وأمس الخميس، خوّل الصدر مدير مكتبه الخاص، حيدر الجابري، ومستشاره العسكري “أبو دعاء” العيساوي، بالإضافة إلى معاونه الجهادي تحسين الحميداوي، ومسؤول “البنيان المرصوص” محمد العبودي، باستكمال إجراءات انفصال “سرايا السلام ـ الجانب العسكري” عن “التيار الصدري” وخلال مدة أقصاها أسبوع واحد.
محلل: دعوة رئيس الوزراء علي الزيدي منذ البداية ركزت على التوجه نحو العمل المدني وخدمة المواطن وحصر السلاح بيد الدولة وبناء المؤسساتوحدد الصدر موعد ما وصفه “التسليم التام” في “عيد الله الأكبر (عيد الغدير الأغر)”، المقرر يوم الخميس المقبل، وإكمال اندماج الجانب المدني مع “البنيان المرصوص”- وهو مشروع تكافلي لعناصر التيار سبق للصدر أن أطلقه في 2021- على أن ينسقوا مع الجهات الرسمية.
وتعليقاً على قرار الصدر، يؤكد المحلل الأمني، فاضل أبو رغيف، للوكالة الحكومية، أن “هذه ليست المرة الأولى التي يتخذ فيها الصدر مثل هذا الموقف”، مشيراً إلى أنه “سبق أن دعا إلى الفصل بين العمل السياسي والعمل العسكري، بما يعكس حالة من المسؤولية الوطنية وإبعاد دوامة العنف عن المجتمع العراقي”.
وأضاف أن “دعوة رئيس الوزراء علي الزيدي منذ البداية ركزت على التوجه نحو العمل المدني وخدمة المواطن وحصر السلاح بيد الدولة وبناء المؤسسات”، لافتاً إلى أن “الزيدي ماضٍ باتجاه تفكيك منظومة السلاح التي تربك المشهد السياسي الداخلي”.
وأشار إلى أن “دعوة رئيس الوزراء أسفرت عن موافقة خمسة فصائل على تسليم أسلحتها المتوسطة والثقيلة والخفيفة”، مبيناً أن “هذه الخطوات تعكس توجهاً لترسيخ الاستقرار الداخلي وتعزيز التلاحم الوطني والإقليمي من خلال احتكار الدولة للسلاح”.
وجاء قرار الصدر متناغماً مع موقف زعيم حركة “عصائب أهل الحق”، قيس الخزعلي، الداعم لـ”حصر السلاح بيد الدولة، إذ يرى أن سلاح الفصائل الشيعية المسلحة بينها “العصائب” هي بضمن هذا السلاح، كونها ترتبط بمؤسسة أمنية تأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، في إشارة إلى “الحشد”.
ويقول عضو المكتب السياسي لكتلة “صادقون”، خالد الساعدي، في تصريحات لمواقع إخبارية محلية، إن “حركة عصائب أهل الحق وكتلة صادقون النيابية تؤمنان بحاكمية الدولة وقوتها، وأن تكون هي الجهة المسيطرة على السلاح، ولا وجود لأي سلاح منفلت أو خارج إطار الدولة”.
تتفق أغلب الفصائل العراقية على رفض التخلي عن سلاحها ما دامت أسباب وجوده لا تزال قائمة، مشترطة تحقيق السيادة الكاملة “أرضاً وجواً”وأضاف أن “الحركة تجدد الدعوة التي أطلقها الأمين العام للعصائب، قيس الخزعلي، بشأن حصر السلاح بيد الدولة”، واصفاً ذلك بأنه “صوت وطني ودعوة وطنية تهدف إلى عدم إعطاء الذرائع للأطراف الخارجية، بما فيها الجانب الأمريكي، أو أي جهة تحاول الاصطياد في الماء العكر بذريعة وجود سلاح خارج إطار الدولة لمهاجمة العراق”.
وأوضح أن “العصائب تؤيد حصر السلاح بيد الدولة، بشرط أن تكون الدولة قادرة على حماية أمن العراق براً وجواً وبحراً من مختلف الأخطار”، لافتاً إلى أن “فصائل المقاومة الإسلامية منخرطة ضمن هيئة الحشد الشعبي، التي تمثل جهة حكومية ساندة ومدافعة عن العراق”.
وتتفق أغلب الفصائل العراقية على رفض التخلي عن سلاحها ما دامت أسباب وجوده لا تزال قائمة، مشترطة تحقيق السيادة الكاملة “أرضاً وجواً” وإنهاء التدخلات الخارجية في الشأن العراقي، لإلقاء السلاح.
ويفتح زعيم التيار “الصدري” الباب أمام جمّلة تساؤلات، أبرزها مدى جديته في التخلي عن أتباعه المسلحين؟ وكيف سيؤثر ذلك على التحرك الأمريكي ـ العراقي لنزع سلاح الفصائل الشيعية المسلحة وطيّ صفحة “المقاومة” في البلاد؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك