البرج الشمالي – «القدس العربي»: تعيش مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في منطقة صور (الرشيدية، البص، والبرج الشمالي) واحدة من أعقد المحطات الإنسانية وأقساها في تاريخ لجوئها الحديث، مع التصعيد الإسرائيلي الأخير.
فمع توالي إنذارات الإخلاء العسكرية والتهديدات المباشرة، تحولت هذه التجمعات السكنية المكتظة إلى ساحات يلفها القلق والذعر، مما دفع بآلاف العائلات إلى النزوح القسري نحو المجهول.
إلا أن المأساة الحقيقية تكمن في المقلب الآخر من المشهد: عائلات فضلت البقاء تحت الخطر ومواجهة القذائف على أن تتجرع ذل نزوح لا يحفظ كرامتها الإنسانية، وسط غياب شبه تام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» والمؤسسات الإغاثية المعنية.
وفي ظل هذه الإنذارات المتلاحقة، ناشدت اللجان الشعبية في مخيمات صور عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومكبرات الصوت في المساجد الأهالي الصامدين بضرورة التزام بيوتهم، وتجنب التجمعات والتجول حرصاً على سلامتهم وتفادياً للاستهدافات المباشرة.
وفي الوقت الذي فرت فيه مئات العائلات شمالاً، اتخذت مئات الأسر الأخرى قراراً حاسماً بالبقاء داخل منازلها المتواضعة في مخيمات صور رغم خطورة الوضع الميداني.
وجاء القرار نتيجة اصطدام هؤلاء النازحين بواقع مرير في مراكز الإيواء (المدارس والمنشآت العامة) التي افتقرت لأدنى مقومات الحياة الإنسانية؛ حيث التكدس الهائل، وغياب الخصوصية للنساء والعائلات، وشح المياه الصالحة للشرب، وانعدام النظافة.
وفي حديث مع «القدس العربي»، تختصر السيدة سلوى عبد الرازق (من مخيم البرج الشمالي) هذا الواقع قائلة إن «البقاء في المنزل تحت تهديد القصف أفضل بكثير من الجلوس في مكان غير لائق لا يحترم إنسانيتنا، فقد رأينا كيف عومل الذين خرجوا قبلنا».
وبالنسبة للكثير من كبار السن، والمرضى، والنساء، بدا البقاء تحت سقف المنزل – وإن كان مهدداً – أكثر كرامة من افتراش أزقة وشوارع المدن المجاورة كصيدا وبيروت، أو الاستلقاء على الأرصفة في انتظار وجبة طعام قد لا تأتي، لا سيما مع عجزهم المالي التام عن استئجار شقق سكنية في ظل الارتفاع الجنوني والانتهازي لأسعار الإيجارات.
تشرح السيدة ابتسام اليوسف وضع عائلتها بمرارة: «أمي حجة كبيرة في السن، ولا يمكننا التحرك أو النزوح بسبب وضعها الصحي.
من سيعتني بمسنة مثلها في الشارع أو في مدرسة تعج بمئات الغرباء؟ ».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك