لا تزال مساحات واسعة من المناطق السورية تعاني انتشار الألغام ومخلفات الحرب التي خلّفها النظام السابق، ما يجعلها مصدراً دائماً للحوادث المميتة، وتعيق عودة الأهالي إلى حياتهم الطبيعية، وتهدد الأنشطة الزراعية والتعليمية، ومنها محافظة الرقة، ولا سيما منطقة عين عيسى وقراها.
في صباح عيد الأضحى، لقي 3 أطفال مصرعهم، وأصيب والدهم وطفلاه الآخران بجروح متفاوتة جراء انفجار لغم من مخلفات الحرب في قرية فاطسة الشركراك التابعة لمنطقة عين عيسى بريف الرقة شمال سوريا.
وأوضح مصطفى علي رمضان، عم الأطفال، في الرقة، في تصريح رسمي، أن الانفجار وقع نحو الساعة العاشرة صباحاً عندما توجه شقيقه خالد علي رمضان برفقة أطفاله على متن سيارة للبحث عن أغنام مفقودة في محيط القرية، التي كانت مهجورة لسنوات بسبب وقوعها على خطوط التماس خلال السنوات الماضية.
وبيّن أن الانفجار أسفر عن مقتل ثلاثة أطفال وإصابة طفلين آخرين، وجميعهم أبناء خالد علي رمضان، إضافة إلى إصابة والدهم، والقتلى هم حنان 5 سنوات، وجبل 7 سنوات، ومشعل 8 سنوات، بينما أُصيب معاذ 7 سنوات، وبركات 4 سنوات.
فيما أفاد الطبيب الشرعي الدكتور عبد الله أبو شعيب بأن والد الأطفال خالد علي رمضان (50 عاماً) يعاني إصابات بالغة تشمل كسوراً في الجمجمة والفك السفلي ونزيفاً دماغياً وكسوراً في الساقين، ما استدعى إدخاله إلى العناية المشددة ومتابعة حالته الصحية بشكل مستمر.
وأشار إلى أن الطفلين المصابين يتلقيان العلاج في المشفى، وأن حالتهما مستقرة حالياً، مع وجود كسر في أحد الأطراف لدى أحدهما، بينما يخضع الآخر للمراقبة الطبية والمتابعة الدورية.
وتواصل فرق وزارتي الدفاع والطوارئ وإدارة الكوارث، بالتعاون مع الجهات المحلية، تنفيذ عمليات المسح والإزالة والتوعية بمخاطر الألغام، في إطار جهود مستمرة للحد من هذه التهديدات، وحماية المدنيين، ولا سيما الأطفال.
ويعيش ملايين المدنيين في سوريا ضمن مناطق ملوثة بالألغام والذخائر غير المنفجرة التي خلفتها سنوات الحرب والقصف الذي شنه نظام الأسد وروسيا على مدى 14 عاماً، حيث تحولت مخلفات الحرب إلى تهديد دائم لحياة السكان، يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار والتعليم والزراعة، ويهدد حياة الأجيال القادمة، ولا سيما الأطفال الذين يجهلون طبيعة هذه الذخائر وخطورتها.
وتمكنت فرق الدفاع المدني السوري خلال السنوات الماضية من إزالة أكثر من 28 ألف ذخيرة من مخلفات الحرب، بينها أكثر من 23 ألف قنبلة عنقودية.
ورغم توقف المعارك، لا تزال الألغام والذخائر غير المنفجرة تشكل تهديدا واسعا للسكان، خصوصا في محافظة إدلب والرقة ودير الزور والأرياف الملاصقة لها، بعدما تسببت سنوات الحرب بتلويث مساحات واسعة من المناطق السكنية والأراضي الزراعية، وخاصة المناطق التي شهدت تغيرات متكررة في خطوط التماس والسيطرة.
ومع عودة قسم من السكان إلى منازلهم بعد سنوات من النزوح، ولا سيما إلى المناطق التي تعرضت للقصف أو كانت تقع ضمن خطوط التماس، ارتفعت حوادث انفجار مخلفات الحرب بشكل كبير، لتسجل الفترة الممتدة من 26 تشرين الثاني 2024 وحتى 30 آذار 2025 أعلى حصيلة لضحايا مخلفات الحرب في سوريا منذ عام 2011.
وخلال تلك الفترة، استجابت فرق الدفاع المدني السوري لـ69 انفجارا ناجماً عن مخلفات الحرب، أسفرت عن مقتل 72 شخصاً، بينهم 17 طفلاً و7 نساء و48 رجلاً، إضافة إلى إصابة 108 أشخاص، بينهم 33 طفلاً و4 نساء.
وتنتشر مخلفات الحرب بأشكال متعددة، وبحسب تقارير رسمية للدفاع المدني السوري، توجد بعض الذخائر على سطح الأرض، بينما تكون أنواع أخرى، مثل قنابل الطائرات، مدفونة تحت سطح الأرض على عمق عدة أمتار، ما يجعل اكتشافها وإزالتها أمراً بالغ الصعوبة.
كما تختلف الذخائر غير المنفجرة عن الألغام، فالألغام تُزرع بغرض القتل أو التسبب بالإصابات، بينما تكون الذخائر غير المنفجرة عبارة عن قذائف أو ذخائر لم تنفجر أثناء استخدامها، وقد تبقى خاملة لفترات طويلة أو تنفجر في أي لحظة دون إمكانية التنبؤ بخطرها.
ووثقت فرق الذخائر في الدفاع المدني السوري استخدام نظام الأسد وروسيا لأكثر من 70 نوعا من الذخائر المختلفة ضد المدنيين، بينها 13 نوعاً من القنابل العنقودية المحرمة دولياً.
وتخلف الألغام، سواء المضادة للأفراد أو للآليات، آثارا مدمرة وطويلة الأمد، إذ تتسبب بالقتل أو بإصابات خطيرة وإعاقات دائمة، وغالبا ما يكون الأطفال من أكثر الفئات تعرضاً لخطرها.
وبحسب الدفاع المدني السوري فإن “انتشار الألغام يؤدي إلى حرمان السكان من استخدام مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ما يهدد الأمن الغذائي وسبل العيش لسنوات طويلة” حيث حددت فرق مسح مخلفات الحرب التابعة للدفاع المدني السوري 141 حقلا ونقطة تنتشر فيها الألغام في مناطق مدنية وقرب منازل السكان والحقول الزراعية والمرافق العامة في عموم الأراضي السورية.
كما عثرت الفرق على عشرات حقول الألغام التي تضم ألغاماً مضادة للآليات وأخرى مضادة للأفراد، وهي ألغام محظورة دولياً، تسببت خلال الفترة الماضية بمقتل وإصابة عشرات المدنيين، وأصبحت تهدد عودة السكان إلى منازلهم واستئناف أعمالهم الزراعية.
وخلال العام الماضي، نفذت فرق إزالة مخلفات الحرب في الدفاع المدني السوري أكثر من 2300 عملية إزالة، تمكنت خلالها من التخلص من 2931 ذخيرة غير منفجرة، إضافة إلى تنفيذ أكثر من 1185 عملية مسح غير تقني، وتحديد 832 منطقة ملوثة بمخلفات الحرب، وتنظيم 3694 جلسة توعية استفاد منها 72808 أشخاص.
وبعد سقوط نظام الأسد وتلاشي خطوط التماس وعودة قسم من المهجرين إلى منازلهم، ارتفعت حوادث انفجار مخلفات الحرب بشكل كبير، ما دفع الفرق إلى تكثيف عملياتها، حيث نفذت أكثر من 1450 عملية إزالة تم خلالها التخلص من 2059 ذخيرة غير منفجرة، إلى جانب تنفيذ أكثر من 370 عملية مسح غير تقني، وتحديد 453 منطقة ملوثة بمخلفات الحرب، إضافة إلى إقامة 690 جلسة توعية استفاد منها 14843 شخصا.
وتصدّرت محافظة إدلب عدد حوادث انفجار مخلفات الحرب التي استجابت لها فرق الدفاع المدني السوري، بواقع 29 حادثا، تلتها محافظات دير الزور ثم حلب فاللاذقية، فيما تواصل فرق إزالة مخلفات الحرب في الخوذ البيضاء عمليات إزالة الذخائر غير المنفجرة التي خلفها القصف في مختلف المناطق.
ورغم الجهود المستمرة، لا تزال كميات كبيرة من الذخائر غير المنفجرة والألغام منتشرة بين منازل المدنيين، وفي الأراضي الزراعية وأماكن لعب الأطفال، نتيجة القصف الممنهج الذي شنه النظام وروسيا على مدى سنوات، وما تزال هذه المخلفات تشكل خطراً دائماً قابلاً للانفجار لسنوات وربما لعقود مقبلة.
ومع انتشار مخلفات الحرب في مناطق واسعة من سوريا، يتوقع استمرار سقوط الضحايا حتى بعد توقف العمليات العسكرية، في وقت تركز فيه فرق الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) جهودها على حماية المدنيين عبر إزالة الذخائر غير المنفجرة وتنفيذ حملات توعية بمخاطرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك