في غزة، لا يحتاج الموت إلى وقت طويل كي يُكمل عمله، هناك، تبدأ المأساة بصاروخ، ثم تستمر شهورا طويلة من الفقد والوحدة والخوف، حتى يختفي آخر فرد من العائلة وكأنه لم يكن يوما جزءا من هذا العالم، ففي أول أيام عيد الأضحى المبارك، كانت الطفلة الفلسطينية سارة رجب، الحكاية الأشد قسوة بين حكايات الأطفال الذين التهمتهم حرب الإبادة الإسرائيلية.
سارة، الطفلة الصغيرة التي لم تتجاوز التاسعة من عمرها، نجت من الموت في الشهر الثاني من الحرب، بعدما تعرض منزل عائلتها للقصف، في تلك اللحظة الدامية، فقدت أمها وشقيقيها وجدتها دفعة واحدة، فيما أصيبت هي بجروح خطيرة، لتخرج من تحت الركام بجسد مثخن بالألم وروح محطمة لا تفهم كيف يمكن لطفلة أن تستيقظ فجأة دون أم تحتضنها، أو إخوة يشاركونها اللعب، أو جدة تروي لها الحكايات قبل النوم.
منذ ذلك اليوم، بقيت سارة وحيدة برفقة والدها، آخر ما تبقى لها من العائلة، كان الأب يحاول أن ينتشل طفلته من الحزن، ويخفي عنها عجزه وخوفه، بينما كانت الحرب تواصل مطاردة الناجين بلا رحمة، وبرغم اليتم والجراح والرعب الذي عاشته، حاولت أن تتمسك بالحياة، فعادت إلى دراستها كلما استطاعت، وكانت متفوقة ومتميزة في صفها، محبوبة لدى معلماتها وزميلاتها، بابتسامتها الهادئة وملامحها البريئة التي أخفت وراءها جبالا من الألم لا يحتملها الكبار.
الاحتلال يقتل سارة وابيهاالاحتلال الذي قتل أمها وإخوتها وجدتها، عاد قبل شهر فقط لينتزع والدها أيضا، آخر أفراد أسرتها وسندها الوحيد، وباستشهاد الأب، أصبحت سارة طفلة تواجه العالم بمفردها، تحمل اسم عائلة لم يعد فيها أحد على قيد الحياة سواها، ومع ذلك، صبرت الصغيرة كما لو أنها أكبر من عمرها بعقود، وكانت تحاول أن تعيش ما تبقى من طفولتها وسط الخراب والجوع والخيام وأصوات الطائرات التي لا تغيب عن سماء غزة.
وفي مساء 27 مايو 2026، أول أيام عيد الأضحى المبارك، خرجت سارة مرتدية ثياب العيد، ربما محاولة أن تنتزع من قلب الحرب لحظة تشبه الأطفال، لحظة تنسى فيها اليتم والدمار والموت الذي يحيط بها من كل جانب، لكن الاحتلال لم يترك لها حتى هذه اللحظة الصغيرة.
قتلها القصف الإسرائيلي وهي ترتدي ملابس العيد، وانتشل المسعفون جثمانها الصغير من بين الركام وقد تحول إلى أشلاء، لتنتهي بذلك حكاية عائلة كاملة أبادتها الحرب فردا تلو الآخر، حتى لم يبق أحد يحمل اسمها أو يروي قصتها سوى صور متناثرة وذكريات موجعة وشهادة جديدة على ما يحدث في غزة.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة، ارتفاع حصيلة عدوان الاحتلال الإسرائيلي على القطاع إلى 72,819 شهيدا، و 172,894 مصابين، منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2023.
وأضافت الوزارة، أن مستشفيات غزة استقبلت خلال الساعات الـ48 الماضية 16 شهيدا، و39 إصابة، لافتة إلى أن إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي قد ارتفع إلى 922، وإجمالي الإصابات إلى 2,786، فيما جرى انتشال 781 جثمانا.
وأشارت وزارة الصحة في غزة، إلى أنه لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم حتى هذه اللحظة.
وتصف الصحفية الفلسطينية يافا أبو عكر، المشهد في غزة خلال أيام عيد الأضحى بكلمات تختصر حجم الرعب الذي يعيشه السكان تحت القصف الإسرائيلي المتواصل، مؤكدة أن العيد هذا العام تحول إلى موسم جديد للمجازر والحرائق والموت الجماعي داخل المنازل والخيام.
وتقول يافا أبو عكر: " في العيد أحرقوهم أحياء داخل المنزل بدون ذنب، أطفال ونساء وكبار سن، تفحمت أجسادهم بالكامل"، مضيفة أن المشاهد التي عاشها الفلسطينيون خلال الساعات الماضية تجاوزت قدرة البشر على الاحتمال أو الوصف.
وتتابع: " أي عيد هذا؟ وهل بقي هناك نوع من أنواع الموت لم نجربه في غزة بعد؟ "، في إشارة إلى حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع منذ بدء حرب الإبادة، حيث لم تعد العائلات تخشى القصف فقط، بل أصبحت تخاف من الاحتراق تحت الأنقاض أو الموت جماعيا داخل البيوت التي احتموا بها هربا من الغارات.
وتؤكد الصحفية الفلسطينية أن أكثر ما يحطم القلوب هو انتشال أجساد الأطفال متفحمة بعد استهداف المنازل ليلا، بينما كانوا نياما بجوار أمهاتهم، موضحة أن أصوات التكبيرات التي اعتادها الفلسطينيون في العيد استبدلت هذه المرة بأصوات الصراخ وسيارات الإسعاف والنيران المشتعلة في أجساد المدنيين.
وأضافت: " حرق البشر وهم نيام، هذه صورة من مجزرة الليلة يا عالم ظالم"، في وصف مؤلم لمشهد عائلات كاملة احترقت داخل منازلها، دون أن تتمكن طواقم الإسعاف من إنقاذهم بسبب شدة القصف واندلاع الحرائق.
وتكشف شهادات أهل غزة أن كثيرين استشهدوا اختناقا أو احترقوا أحياء بعد استهداف البيوت بالقذائف والصواريخ، فيما بقيت جثامين بعض الضحايا لساعات طويلة تحت الركام والنيران، في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها المدنيون في غزة، خاصة الأطفال الذين تحول العيد بالنسبة لهم من مناسبة للفرح إلى أيام للهروب والخوف وانتظار الموت.
وفي الوقت الذي يرتدي فيه أطفال العالم ملابس العيد الجديدة ويخرجون للاحتفال، كان أطفال غزة ينامون على أصوات الطائرات، ويستيقظون على الحرائق والدماء وأشلاء أحبائهم، بينما تواصل الحرب ابتلاع المزيد من الأرواح، تاركة وراءها مدينة كاملة غارقة في الحداد والدخان والرماد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك