روسيا اليوم - لأول مرة في التاريخ.. قاعة مجلس مدينة نيويورك تتحول إلى منصة حفل صاخب لمجتمع الميم (فيديو) فرانس 24 - إيران تحتفل بعيد الغدير.. رسائل وحدة بعد الحرب وظهور لافت للقيادة الجديدة فرانس 24 - اليابان تعتزم استبدال 14 مفاعلا نوويا متقادما بحلول عام 2050 وكالة شينخوا الصينية - الصين تحث اليابان على التفكير بعمق في جرائم الحرب التي ارتكبتها والتخلي بشكل قاطع عن النزعة العسكرية قناه الحدث - باكستان تكثف مساعيها لتقريب التوافق بين إيران وأميركا روسيا اليوم - "سبيربنك": روسيا ضمن الدول الخمس الرائدة عالميا في تطوير الذكاء الاصطناعي إيلاف - الأوضاع الأمنية تحرِم آلاف الطلبة في محافظة السويداء جنوبي سوريا التقدّم إلى امتحانات الشهادات العامة روسيا اليوم - جنوب روسيا.. قتيل وجريح بهجوم مسيرة أوكرانية Independent عربية - تشريعيات الجزائر... تراجع المترشحين وجدل حول الاقصاءات العربية نت - لقاء باكستاني إيراني "مهم".. وبحث في أموال طهران المجمدة
عامة

دولة تتحدث من تحت الأنقاض قراءة في أزمة السلطة والتدخلات الإقليمية

سودانايل الإلكترونية
2

لم يحمل خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في عيد الأضحى جديداً سياسياً حاسماً، لكنه كشف – ربما أكثر من أي خطاب سابق – طبيعة الأزمة التي يعيشها السودان اليومفالدول المستقرة تتحدث بلغة البرامج والمؤس...

ملخص مرصد
كشف خطاب قائد عسكري سوداني خلال عيد الأضحى طبيعة الأزمة المستمرة في السودان، حيث ركز على إدارة الأمل بدلاً من وصف الواقع. أشار الخطاب إلى محاولات الحفاظ على فكرة الدولة رغم تآكل مؤسساتها، لكن مع تناقضات واضحة في هيكل السلطة. تبرز الأزمة كخلفية لحروب طويلة وصراعات إقليمية متشابكة تؤثر على استقرار البلاد.
  • خطاب قائد عسكري سوداني ركز على إدارة الأمل بدلاً من الواقع الفعلي للأزمة
  • الدولة السودانية تتآكل بين جيوش متعددة وتحالفات إقليمية متشابكة
  • الأزمة السودانية تتجاوز الحدود الداخلية لتشمل صراعات إقليمية ودولية متداخلة
من: الفريق أول عبد الفتاح البرهان أين: السودان

لم يحمل خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في عيد الأضحى جديداً سياسياً حاسماً، لكنه كشف – ربما أكثر من أي خطاب سابق – طبيعة الأزمة التي يعيشها السودان اليومفالدول المستقرة تتحدث بلغة البرامج والمؤسسات والمستقبل، أما الدول المتصدعة فتعود دائماً إلى لغتها الأولى – لغة البقاءلم يكن الخطاب خطاب نصر كامل، كما لم يكن خطاب قائد يملك مشروعاً تاريخياً واضح المعالمبدا أقرب إلى محاولة لإبقاء فكرة “الدولة” حيّة في الوعي العام، حتى بينما تتآكل الأرض نفسها تحت أقدام الجميعفي الحروب الطويلة لا تُدار المعارك بالسلاح وحده، بل بإدارة الإدراك الجماعي أيضاً.

ولهذا فإن كثيراً من الجمل التي وردت في خطاب البرهان لا يمكن قراءتها فقط بوصفها “دعاية سياسية” أو “كذباً رسمياً” بالمعنى المباشرعندما يقول إن “الخرطوم تستعيد عافيتها”، فهو لا يصف واقعاً معاشاً يعرف السودانيون أنه لم يتحقق بعد، لكنه يحاول إنتاج صورة ذهنية تمنع الانهيار النفسي لفكرة الدولةفالسلطات في أزمنة الحروب تخشى لحظة أخطر من خسارة المدن- خسارة الإيمان بإمكانية العودةلهذا يصبح الخطاب السياسي في زمن الحرب أقرب إلى إدارة الأمل منه إلى توصيف الوقائع.

لكن المشكلة أن هذا الأمل يُبنى فوق تناقضات هائلة يصعب إخفاؤهايتحدث البرهان باسم الدولة، بينما الدولة نفسها أصبحت موزعة بين جيوش متعددة، وتحالفات إقليمية، ومراكز نفوذ اقتصادية وعسكرية متشابكةيتحدث عن “السيادة الوطنية” في لحظة يعتمد فيها السودان على الخارج أكثر من أي وقت مضى، ويتحدث عن “الجيش الوطني” بينما كشفت الحرب أن المؤسسة العسكرية السودانية اعتمدت لعقود على الميليشيات والعنف اللامركزي والحروب بالوكالةوهنا تظهر المفارقة الأعمق – الحرب الحالية ليست انحرافاً عن تاريخ الدولة السودانية، بل واحدة من نتائجه الطبيعيةمنذ الاستقلال، لم تنجح النخب السياسية والعسكرية في بناء دولة وطنية متماسكة تتجاوز هيمنة المركز التاريخيظلت السلطة تُدار عبر معادلة مزدوجة – احتكار الشرعية في المركز، واستخدام العنف في الأطرافومع الزمن تحولت أدوات العنف نفسها إلى قوى مستقلة تملك المال والسلاح والطموح السياسيلذلك فإن “الدعم السريع” لم يهبط من فراغ، بل خرج من داخل البنية التي صنعتها الدولة نفسهاومن هنا تبدو مفارقة خطاب البرهان واضحة – كيف يمكن للدولة أن تُدين مخلوقاً ساهمت هي في إنتاجه؟ وكيف يمكنها أن تتحدث عن “استئصال” الدعم السريع بينما تستقبل في الوقت نفسه بعض المنشقين عنه وتعيد دمجهم داخل بنيتها العسكرية والسياسية؟هذا ليس مجرد تناقض خطابي عابر، بل يعكس طريقة عمل الدولة السودانية تاريخياً: إدارة الأزمات عبر إعادة تدوير الخصوم، لا عبر بناء عقد قانوني ومؤسسي شاملولهذا انتهت كثير من التسويات السودانية السابقة إلى حروب جديدة مؤجلةفي المقابل، يغيب الحديث الحقيقي عن العدالة من الخطاب الرسمي، لأن العدالة الشاملة في السودان لا تعني فقط محاكمة أفراد، بل تهدد البنية الكاملة التي حكمت البلاد لعقود – الجيش، الإسلاميون، اقتصاد الحرب، شبكات الفساد، الحركات المسلحة، والتحالفات الإقليمية المتشابكةلكن اختزال الأزمة في شخص البرهان وحده لا يبدو دقيقاً أيضاًفالحرب تجاوزت منذ زمن فكرة “الحاكم الفرد” , السودان يواجه أزمة دولة كاملة – أزمة شرعية، وأزمة احتكار للعنف، وأزمة معنى وطني جامع , ومن يملك الحق في تمثيل السودان؟ , ومن يملك السلاح فعلياً؟وما الذي يجعل السودانيين يشعرون أنهم ينتمون إلى مشروع وطني واحد؟هذه هي الأسئلة التي يحاول الخطاب الرسمي الالتفاف حولها عبر اللغة الرمزية للجيش والوطنية والدينغير أن البعد الأخطر في الأزمة يظل إقليمياً , فالسودان اليوم لم يعد ساحة داخلية خالصة، بل تحول إلى نقطة تقاطع لصراعات إقليمية ودولية متشابكةالإمارات تُتهم بدعم الدعم السريع ضمن حسابات البحر الأحمر والنفوذ الاقتصادي في القرن الأفريقيمصر تنظر إلى الجيش باعتباره الضامن الأخير لمنع انهيار الدولة على حدودها الجنوبيةالسعودية تتحرك بحذر بين هاجس الاستقرار وموازين القوى الإقليميةروسيا تسعى إلى موطئ قدم استراتيجي عبر الذهب والموانئ، بينما تراقب قوى أخرى مثل تركيا وإيران وقطر المشهد بحثاً عن نفوذ سياسي وأمني طويل المدىومع استمرار الحرب، يصبح السودان تدريجياً صورة مكثفة لصراعات المنطقة كلها- الخليجية، والمصرية – الإثيوبية، والتركية – الإماراتية، وحتى الروسية – الغربيةلهذا فإن أي حل حقيقي لن يكون سودانياً خالصاً، بل سيبقى مرتبطاً بتوازنات إقليمية أكبر لم تنضج تسوياتها بعدورغم كل ذلك، فإن اختزال المجتمع السوداني إلى معسكرين أخلاقيين متقابلين يظل تبسيطاً مضللاًفالكثير من السودانيين الذين يقفون مع الجيش اليوم لا يفعلون ذلك بدافع أيديولوجي بالضرورة، بل خوفاً من الانهيار الكامل، أو بحثاً عن حد أدنى من الاستقرار في بلد تتفكك مؤسساته بسرعة هائلةفالناس في الحروب لا تبحث دائماً عن العدالة المثالية؛ أحياناً تبحث فقط عن فرصة للبقاءوهنا تكمن معضلة القوى المدنية والمعارضة- ولا يكفي إدانة العسكر أخلاقياً، بل يجب تقديم تصور عملي لإعادة بناء الدولة والأمن والاقتصاد معاً.

لأن السؤال الحقيقي الذي يواجه السودان الآن ليس فقط كيف تتوقف الحرب، بل ماذا سيبقى من السودان بعدهافالبلاد لا تحتاج إلى هدنة مؤقتة فحسب، بل إلى إعادة تأسيس كاملة لفكرة الدولة نفسها- دولة لا تقوم على الامتياز العسكري، ولا على احتكار المركز، ولا على اقتصاد الحرب، ولا على التحالفات المؤقتة بين السلاح والمال والأيديولوجياوإلا فإن الحرب الحالية، مهما انتهت، قد لا تكون سوى استراحة طويلة قبل انفجار آخرفي النهاية، تكشف خطابات الحرب أكثر مما تخفي.

وخطاب البرهان، رغم لغته المطمئنة، يكشف دولة منهكة تحاول إقناع شعبها – وربما إقناع نفسها أيضاً – بأنها ما زالت قادرة على الإمساك بالمستقبل، بينما يتسرب هذا المستقبل من بين أصابع الجميع.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك