في الثقافة السودانية، يُطلق وصف “الخُدَّج” على المولود الذي يأتي قبل أوانه، ناقص التكوين، يحتاج إلى حاضنة أكثر مما يحتاج إلى فضاء الحياة , وربما لا توجد استعارة أبلغ لوصف كثير من المشاريع السياسية السودانية منذ الاستقلالفهي تولد وسط ضجيج كبير، وتُستقبل بخطابات الاحتفاء والآمال العريضة، لكنها سرعان ما تتعثر عند أول اختبار جدي للسلطة أو المصالح أو موازين القوةاليوم، تتجه الأنظار إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حيث تجري اجتماعات دعت إليها الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الإفريقي والإيقاد والأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوروبيوبينما تتسابق الأطراف السياسية إلى إعلان الانتصارات أو تسجيل الاعتراضات، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس من حضر ومن غاب، بل: ماذا تمثل هذه الاجتماعات في السياق الأوسع للأزمة السودانية؟منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ظل المسار العسكري هو المحدد الرئيسي لمصير البلاد، بينما تحولت القوى السياسية إلى مراقب للأحداث أكثر من كونها صانعة لهاغير أن استمرار الحرب، واتساع آثارها الإنسانية والاقتصادية والأمنية، دفع الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى إعادة تنشيط المسار السياسيغير أن قراءة واقعية للمشهد تقتضي الابتعاد عن أوهام البطولة السياسيةفالوسطاء لم يتحركوا لأن النخب السودانية قدمت مشروعاً وطنياً مقنعاً، بل لأن الحرب أصبحت مكلفة للجميعلقد وصلت الأزمة إلى مرحلة العائد المتناقص؛ حيث تتزايد الخسائر بينما تتضاءل فرص الحسموهنا تكمن المفارقة السودانية القديمة: فبينما تتعامل بعض القوى السياسية مع الاهتمام الدولي باعتباره اعترافاً بأهميتها، فإن الحقيقة الأقرب للواقع هي أن المجتمع الدولي يتحرك خوفاً من تداعيات الانهيار الكامل للدولة السودانية، لا احتفاءً بنضج الفاعلين السياسيين فيهاانقسام الكتلة الديمقراطية – خلاف على الرؤية أم على الموقع؟أحد أبرز ما كشفت عنه اجتماعات أديس أبابا هو الانقسام داخل الكتلة الديمقراطية نفسها.
صدرت بيانات متناقضة حول المشاركة والمقاطعة، وتعددت الروايات بشأن الجهة المخولة بالحديث باسم الكتلةلكن جوهر الأزمة لا يتعلق بالسفر إلى أديس أو البقاء خارجها.
ما ظهر إلى السطح هو صراع أعمق حول موقع كل طرف في أي ترتيبات سياسية قادمةهناك من يرى أن المشاركة ضرورة للحفاظ على الحضور السياسي والتأثير في مستقبل التسويةوهناك من يرى أن المشاركة تمنح شرعية لمسار لا ينسجم مع رؤيته أو مع حساباته السياسيةومع ذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية يظل غائباً , و أين المشروع الوطني الذي تتنافس هذه القوى من أجله؟ فالكثير من الصراعات السودانية المعاصرة تدور حول التمثيل والشرعية والمقاعد، أكثر مما تدور حول شكل الدولة أو طبيعة الاقتصاد أو مستقبل الحكمكأن السياسة السودانية ما زالت أسيرة معركة المواقع، بينما تتراجع معركة الأفكار إلى الخلفالإسلاميون بين خطاب الاستبعاد وواقع السياسةمن القضايا التي برزت بقوة خلال الاجتماعات مسألة استبعاد واجهات المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وهو الموقف الذي عبّرت عنه بعض القوى المشاركة بوضوحغير أن التجارب السياسية المعاصرة تشير إلى أن قضايا الإقصاء والعزل السياسي لا تُحسم بالشعارات وحدها.
ففي معظم النزاعات الممتدة، يفرض الواقع نفسه في نهاية المطاف على طاولات التفاوضالوسطاء الدوليون لا ينظرون عادة إلى الأطراف من زاوية أيديولوجية بحتة، بل من زاوية قدرتها على التأثير في الواقع السياسي والأمني ولذلك فإن كثيراً من شعارات الاستبعاد التي ترفع في المراحل الأولى من الصراع تواجه اختبارات صعبة عندما تبدأ المفاوضات الجديةوهنا تظهر واحدة من مفارقات السياسة السودانية- فالأطراف التي ترفع سقوفاً عالية في العلن، كثيراً ما تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع وقائع أكثر تعقيداً خلف الأبواب المغلقةثلاثة سيناريوهات… وربما رابعيمكن تصور ثلاثة مخرجات رئيسية لاجتماعات أديس أباباالأول هو الاكتفاء بإعلان مبادئ يتناول وقف الحرب وحماية المدنيين والمسار الإنساني، وهو السيناريو الأسهل سياسياً لكنه الأقل تأثيراً على موازين الصراعوالثاني هو محاولة بناء منصة سياسية مدنية أوسع تضم قوى متعددة تتفق على إنهاء الحرب، لكنها تختلف في كثير من القضايا الأخرىأما الثالث فهو فشل التوافق نتيجة التناقضات العميقة بين المشاركينغير أن هناك احتمالاً رابعاً نادراً ما تتم مناقشته بوضوح، وهو أن تكون هذه الاجتماعات جزءاً من عملية إدارة للأزمة أكثر من كونها مدخلاً لحلهافالحرب ما تزال مستمرة، وموازين القوى على الأرض ما تزال تتحرك، بينما تبدو النخب السياسية أحياناً أكثر انشغالاً بالبيانات الختامية من انشغالها بتغيرات الواقعمنطق الدرويش وأزمة السياسة السودانيةتكشف التجربة السودانية الممتدة عن أزمة أعمق من خلافات الأحزاب والتحالفات.
إنها أزمة ثقافة سياسية كاملةثقافة تميل إلى تقديس الأشخاص أكثر من بناء المؤسسات، وتربط الولاء بالزعيم أكثر مما تربطه بالبرنامج، وتنتظر الحلول من الخارج أكثر مما تنتجها من الداخلفي هذه البيئة، يصبح من السهل أن تتحول كل مبادرة إلى مناسبة جديدة لإعادة إنتاج الأزمات القديمة.
فتولد المشاريع السياسية ناقصة، وتحمل في داخلها بذور تعثرها منذ اللحظة الأولىولهذا تبدو اجتماعات أديس أبابا، بالنسبة لكثيرين، اختباراً جديداً لقدرة السودانيين على تجاوز هذه الحلقة المفرغة.
فالقضية ليست مكان الاجتماع ولا أسماء المشاركين، بل ما إذا كانت النخب السودانية قادرة أخيراً على الانتقال من منطق المحاصصة والشرعية المتنازع عليها إلى منطق الدولة والمواطنة والمؤسساتلا راية بيضاء ولا ولادة كاملةما يجري في أديس أبابا ليس نهاية الحرب، وليس بداية السلام بالضرورةإنه فصل جديد في محاولة طويلة لإعادة إدخال السياسة إلى مشهد تهيمن عليه البنادقلكن المعيار الحقيقي لن يكون عدد الوفود المشاركة، ولا حجم البيانات الصادرة، ولا حتى صور المصافحات الجماعيةالمعيار هو ما إذا كانت هذه العملية ستنتج تصوراً جديداً للدولة السودانية يقوم على المواطنة والمؤسسات وسيادة القانون، أم أنها ستعيد تدوير النخب والخلافات نفسها بأسماء وشعارات جديدةحتى الآن، تبدو المؤشرات أقرب إلى ميلاد خُدَّج جديد؛ مشروع يولد تحت رعاية إقليمية ودولية مكثفة، لكنه لم يثبت بعد أنه قادر على الحياة بقواه الذاتيةوفي الأثناء، يظل السودانيون العاديون، في الأحياء ومراكز النزوح والقرى والمدن المنكوبة، هم من يدفعون الثمن الأكبر، بينما تستمر النخب في البحث عن مخارج للأزمة التي شاركت، بدرجات متفاوتة، في صناعتهاولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحاً بعد انتهاء الاجتماعات هو نفسه الذي ظل يطارد السودان منذ عقود- هل نتعلم أخيراً كيف نبني دولة، أم سنواصل إنتاج الخُدَّج من أصلاب الدرويش؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك