لا يضع الشاعر والباحث البلاغي الأردني حسام اللحام اسمه على المجموعة الشعرية" خوارزمية الروح" (قصائد نثرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي) كمؤلف، ولكنه يشير على الغلاف الأمامي للمجموعة الصادرة حديثاً عن دار" الآن ناشرون وموزعون" في عمّان إلى أن هذه التجربة" برؤية وتوجيه أسلوبي" منه.
يأتي ذلك، على اعتبار أن عملية توليد النصوص نفسها هي عملية آلية بحتة في الأساس، وإن كان الجهد الإنساني متحكماً في إدارتها على نحو ما.
وانطلاقاً من هذا التوصيف، ولأن اللحام لا يوضح في كتابه حدود التدخل البشري في النصوص، قبل وأثناء وبعد الكتابة، وطبيعة الرؤية والتوجيه الأسلوبي المشار إليهما، فإن المقصود على ما يبدو، وهذا مفهوم أيضاً بالضرورة، أن نتاجات الذكاء الاصطناعي الشعرية في المجموعة لا تأتي من فراغ، ولا تتولد من تلقاء ذاتها، وإنما هي حصيلة ما يطلبه الكائن البشري من الآلة.
ومثلما يمد الإنسان الذكاء الاصطناعي بكافة معطيات الحالة أو المشهد أو اللقطة أو موضوع النص المراد تنفيذه، فإن التدخل البشري أو التحكم النسبي قد يستمر طوال مراحل تنفيذ الآلة الأوامر، وذلك بالمناقشة أو طلب التعديل أو إجراء تنقيح نهائي، إلى أن يتم الاستقرار على النسخة الأخيرة المعتمدة للنص.
وعلى رغم هذا التوجه الميكانيكي الخالص في التعاطي مع الشعر، ذي الحساسية الإبداعية الفائقة، كما لو أنه منظومة مستخرجات واستنباطات قياسية، فإن مُعِدّ الكتاب أو مديره، ولا نقول مؤلفه، يفجّر مفارقة أولية عبر الإهداء (التمهيد) المنخرط في إبراز الشفافية الإنسانية، الذي يتصدر المجموعة.
ويبدو هذا الإهداء (التمهيد) كما لو أنه مرافعة أو مذكرة دفاع لتبرئة الكتاب أمام قرّائه من الاتهام المسبق بأنه عمل غير حي، ولا يمكن بالضرورة أن يشتمل على نبض" إلى كل قلب عَبَرَ العتمة، ولم يفقد إيمانه بالنور، وإلى كل روح حوّلتْ ألمَها معنى، وصمتَها صلاة".
تبقى نصوص" خوارزمية الروح" النثرية، الثلاثة عشر (140 صفحة) هي الفيصل وحدها في تعيين مدى حضور التجربة وثقلها على كفة ميزان الشعرية المجردة، وذلك بغض النظر عن وجود أكثر من وجه للمؤلف، على اعتبار أن هناك من التوجهات القرائية ما يكتفي بمقاربة النص الشعري منعزلاً عن مؤلفه، بل ومنسلخاً من مناسبته وسياقه ومكانه وزمانه وبيئته.
ومن ثم، فإن الرهان المتبقي هنا معقود على الإنساني في النصوص في مواجهة الآلي، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد خضع من جانب مدير العمل لتقييد واعٍ، لكي لا يتجاوز حيّز دوره كأداة مساعدة للإبداع والخيال البشريين في أضيق الحدود، أم حدث العكس، وجاءت الهيمنة آلية؟بحسب الميكانيزم الذي تُصدّره المجموعة الشعرية، ويروّجه الناشر، من أن" خوارزمية الروح" هي أولى المحاولات العربية في توليد قصائد نثرية بالذكاء الاصطناعي بين دفّتي كتاب كامل، فإن التعويل على الآلة في المقام الأول هو حجر الزاوية في هذه المجموعة، تأليفاً وصياغة لغوية، بخاصة مع حصر اسم العنصر البشري الفاعل في خانة" الرؤية والتوجيه الأسلوبي".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ولعل الإبداع المؤثر بشكل عام، والتخييل الشعري الفارق على وجه الخصوص، في أبسط محاولات فهمه وتلمُّس جوهره وماهيته، هو مفهوم ثوري يتعلق بالقدرة على الإدهاش والخلخلة، وكسر أفق التوقع، وتخطي القواعد المألوفة، وإحداث صدمة في الصور والتصورات، وتفجير المباغتة والمفاجأة، والنأي عما ينتظره العقل وتستنتجه الحواس، والحث على التأمل وإعادة التفكير في المسلّمات والبديهيات.
ويقترن ذلك كله، بطبيعة الحال، بالعمل على النسج على غير منوال، والإتيان بنتائج ابتكارية خارج منظومة المقدمات والمدخلات.
وعلى النقيض تماماً، فإن خوارزميات الذكاء الاصطناعي في أفضل تشغيل وإدارة لها كمحاكاة للتفكير البشري، تتكئ على تنظيم بيانات مسبقة وقراءات معدّة سلفاً بهدف إنتاج مخرجات جديدة، قوامها الذي لا فكاك منه هو التقاطع مع الموجود من قبل، فيما يمكن وصفه بالفك والتركيب، تحت مظلة الشروط الذكية التي لا تنتهي أبداً بانفلات عن النسق المنضبط.
هذا معناه، ببساطة أكثر، استعداد القارئ المتدرب على قراءة الشعر للتنبؤ بالقصائد الناجمة عن الإبداع الآلي بشكل ما، على مستوى الاستشعار أو النمذجة اللغوية أو الذائقة النسقية المقولبة، فلا شيء في القصيدة يحضر من عدم، وإمكانيات التناص الهائلة المتطورة عبر الثقافات والحضارات واللغات كلها لا تمثّل تفوقاً بقدر ما تحيل إلى المنابع الأصيلة التي يغترف منها النص الاصطناعي.
تحت سقف هذا الاجتهاد المقنن، المحسوب، يمكن الإطلال على القصائد النثرية المولّدة بالذكاء الاصطناعي في تجربة" خوارزمية الروح"، التي تبدو حتى في عناوينها متقاطعة بشكل واضح مع الموروث الشعري البشري غير البعيد، ومنها: " نشيد الكينونة"، و" العائد من ظلال التيه"، و" هدية النور"، و" بهاء الرحمة"، و" كتاب الأرض المنسية"، و" أسطورة العائدين"، و" مرثية سيدة النقاء"، وغيرها.
وكمثال، ففي قصيدة" أجنحة الرماد وأقمار الحلم"، تنضبط أنشودة غزة في قوالب لغوية متقنة، على أن الغناء ذاته بأنفاسه ومذاقه ووهجه وصوته الخاص يكاد يغيب" غزة، تنام على وسادة الغبار، وتصحو على أنين الريح/ تهذب وجهها، بأصابع متعبة/ تغسل الرماد عن عينيها، دون أن تحاول إقناع الصبح أنها بخير/ هناك، الأفق ليس حدّاً، بل شرفة مكسورة/ يطل منها الحلم على ما لا يجيء/ ويرجع - كلما لمسناه - أكثر بعداً وأكثر وجوداً".
والأمر نفسه في قصيدة" مرثية سيدة النقاء"، التي يخاطب فيها المؤلف" ابتسام" في فردوسها، بقوله" الآلي" الذي يطمح إلى استحضار المشاعر من الأرفف المحفوظة" لم تكوني حضوراً يُرى/ كنتِ نغمة هاربة من عود الزمن/ تعبر بين الأوتار/ تختبئ في انحناءة الضوء/ وتعيد ترتيب الهواء/ كأنها تدربه على عزف الغياب".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك