روسيا اليوم - روسيا.. مقتل شخص بهجوم مسيرة على قطار ركاب في القرم وكالة الأناضول - الولايات المتحدة تعلن مقتل جندي أثناء تدريب بالعراق فرانس 24 - وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي عن عمر ناهز 56 عاما الجزيرة نت - حقول مغناطيسية حول 7 عوالم بعيدة تفتح نافذة جديدة في البحث عن الحياة الجزيرة نت - أوروبا تسجل أول تراجع لحركة المسافرين جوا منذ كورونا وكالة سبوتنيك - جميلات يخطفن الأنظار في منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2026 العربي الجديد - معهد استوكهولم: الإنفاق العسكري العالمي في أعلى مستوى له منذ 2009 قناة العالم الإيرانية - موقع قائد الثورة الاسلامية ينشر صورة خاصة للسيد الشهيد ونجله القدس العربي - وول ستريت جورنال: ترامب أبلغ مساعديه سرا بأن الحرب الشاملة مستبعدة مع إيران إلا في حالة سقوط جنود أمريكيين روسيا اليوم - أشهر محام مصري يدافع عن نخنوخ
عامة

الشعبوية وتجريف المجال العام.

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 6 أيام
2

يقول الروائي الأميركي، روبرت أ. هاينلاين، إن التصنيفات السياسية من قبيل: ديمقراطي، شيوعي، فاشي، ليبرالي أو محافظ، ليست في جوهرها معياراً حاسماً لفهم الانقسام السياسي، فالبشر، في النهاية، ينقسمون إلى ف...

ملخص مرصد
تسلط المقالة الضوء على ظاهرة الشعبوية كظاهرة تهدد المجال العام عبر إضعافه تدريجياً، بدءاً من إضعاف المؤسسات المدنية والسياسية واستبدالها بعلاقة مباشرة بين القائد والشعب، مما يؤدي إلى تحويل الاختلاف إلى شبهة والنقد إلى مؤامرة. كما تناقش المقالة كيف تزدهر الشعبوية في المجتمعات التي تآكلت فيها ثقافة الاختلاف، وتؤكد على أهمية المؤسسات القوية والديمقراطية في مواجهة هذا التحدي.
  • الشعبوية تضعف المجال العام تدريجياً عبر إضعاف المؤسسات المدنية والسياسية
  • تتحول الاختلاف إلى شبهة والنقد إلى مؤامرة في ظل خطاب الشعبوي
  • الديمقراطية تزدهر في مؤسسات قوية وثقافة سياسية تعترف بالاختلاف
من: روبرت أ. هاينلاين (اقتباس)، حنّة آرندت (تحذير)، تونس (حالة دراسية) أين: المجتمعات التي تآكلت فيها ثقافة الاختلاف

يقول الروائي الأميركي، روبرت أ.

هاينلاين، إن التصنيفات السياسية من قبيل: ديمقراطي، شيوعي، فاشي، ليبرالي أو محافظ، ليست في جوهرها معياراً حاسماً لفهم الانقسام السياسي، فالبشر، في النهاية، ينقسمون إلى فئتين: من يسعون إلى السيطرة على الآخرين، ومن لا يحملون هذا النزوع أصلاً.

وعلى الرغم من طابعها الأدبي والتأمّلي، تفتح هذه المقولة على سؤال أعمق يتعلق بالسياسة المعاصرة، حيث لم يعد الخلاف مقتصراً على البرامج أو المرجعيات الأيديولوجية، بل امتدّ إلى طبيعة السياسة نفسها: هل هي فضاء لإدارة التعدّد والاختلاف، أم أداة للهيمنة واحتكار الحقيقة باسم" الشعب" أو" الوطن" أو" الإرادة العامة"؟وفي هذا السياق، تبدو الشعبوية من أكثر الظواهر قدرة على تجريف المجال العام، لا عبر تدميره دفعة واحدة، بل عبر إضعافه تدريجياً، فهي لا تقتل السياسة مباشرة، بل تُصحّرها ببطء: تبدأ بإضعاف الوسائط المدنية والسياسية، وتستبدل الأحزاب والنقابات والجمعيات بعلاقة مباشرة ومضلِّلة بين" القائد الفذ" و" الشعب النقي".

وعند هذا التماهي المخادع، يتحوّل الاختلاف إلى شبهة ونقد السلطة الى مؤامرة، وعرقلة لإرادة الشعبية أو تهديد للاستقرار، فيما تُستثار العواطف العامة ويُختزل النقاش العمومي في الشعارات والانفعالات.

ولا تزدهر الشعبوية في أزمنة الأزمات فحسب، بل تجد أيضاً تربة خصبة في المجتمعات التي تآكلت فيها ثقافة الاختلاف طويلاً، وغابت فيها شرعية السؤال والنقد، ففي هذه البيئات، يُنظر إلى السؤال بوصفه تهديداً، وإلى النقد خروجاً عن الصفّ، لا ممارسة طبيعية داخل المجال العام.

ومتى تراجعت قابلية التعدّد وقبول التعقيد، أصبح المجتمع أكثر استعداداً للانجذاب إلى خطاباتٍ تعد باليقين السريع، وتستبدل فهم الواقع بإجابات جاهزة تختزله.

لا تزدهر الشعبوية في أزمنة الأزمات فحسب، بل تجد أيضاً تربة خصبة في المجتمعات التي تآكلت فيها ثقافة الاختلاف طويلاًوقد نبّهت حنّة آرندت إلى هشاشة الفضاء العمومي أمام التعبئة العاطفية، محذّرة من أن تآكل الوسائط والمؤسّسات يفتح الباب أمام الاستقطاب الحاد وتتفيه الفعل السياسي.

وحين يُختزل المجال العام في الولاء والانفعال، لا يتراجع التعدّد فقط، بل يبدأ تصحّر سياسي ومدني يجعل الاستبداد أكثر قابلية للتمدّد، لأن الديمقراطية لا تُهزم دائماً بانقلاب مباشر، بل قد تُستنزف من داخلها حتى تفقد معناها قبل أن تفقد إطارها العام.

ولا يقتصر أثر هذا التصحّر على المجال العام، بل يمتدّ إلى بنية الدولة نفسها، فمن المفارقات الهامة للشعبوية أنها قد تُقوّي السلطة بقدر ما تُضعف الدولة، إذ تُركّز القرار في يد القائد أو الدائرة الضيقة المحيطة به، وتُهمّش المؤسسات والوسائط، وتربط الشرعية بالزعامة والخطاب التعبوي أكثر من ارتباطها بالقواعد والإجراءات.

وحين تُختزل الدولة في الإرادة الفردية، لا تتآكل فقط قدرتها على إدارة الاختلاف، بل تبدأ بنيتها المؤسسية نفسها في التراجع: تضعف استقلالية الأجهزة، وتتراجع قدرة الدولة على التوازن، وتغدو أكثر ارتهاناً للحسابات الظرفية والانفعالات السياسية، وهكذا تبدو السلطة أكثر صلابة وقوّة في ظاهرها، بينما تتآكل الدولة في عمقها.

وقد تبدو شخصنة الحكم عنواناً للسرعة والحسم، لكنها في الواقع تُفرغ الدولة من منطق المؤسسات، فتغدو السياسات العمومية رهينة إرادة فردية ومزاج سياسي متقلّب، بدل أن تستند إلى التخطيط والاستمرارية.

وهكذا تتحوّل الدولة تدريجياً من كيان دائم تحكمه المؤسسات، إلى سلطة ظرفية تتبدّل بتبدّل إرادة الحاكم.

وفي هذا المناخ، تضيق مساحة الاختلاف المشروع، ويصبح النقد شبهة، والمعارضة مساساً بالشرعية لا ممارسة سياسية طبيعية.

وهكذا تتحول السياسة من فضاء للتفاوض والتسويات إلى ساحة استقطاب دائم تُدار بمنطق الولاء والخيانة بدل البرامج والمصالح.

لم تكن عقود الاستبداد في عهدَي بورقيبة وبن علي مجرّد أنظمة سياسية مغلقة، بل أيضاً مرحلة طويلة من إضعاف السياسة نفسهاولا تزدهر الشعبوية في أزمنة الأزمات فقط، بل تنمو أيضاً حيث تضعف ثقافة الاختلاف ويُعاد إنتاج الحسّ الجمعي الضاغط على الفرد.

ففي مثل هذه السياقات، يُنظر إلى السؤال بوصفه تهديداً، وإلى النقد بكونه خروجاً عن الصفّ.

وحين لا يتدرّب المجتمع على التعدد ولا يتصالح مع التعقيد، يصبح أكثر قابلية لخطابات اليقين السريع، والحلول الجاهزة، والإجابات المبسطة.

وتكشف تجربة مفكّرين إصلاحيين، مثل الطاهر الحدّاد، عمق هذا التوتّر، إذ لم يكن الرفض الذي وُوجهوا به موجّهاً إلى أفكارهم فقط، بل إلى جرأتهم على كسر منطق القطيع ومساءلة ما اعتُبر مقدّساً أو نهائياً.

فالثقافة الديمقراطية لا تزدهر في مناخ الطاعة، بل في فضاء يعترف بشرعية السؤال، ويصون حقّ الاختلاف، ويجعل مراجعة اليقينيات شرطاً للتقدّم لا تهمة تُوجب الإقصاء.

غير أن خطورة الشعبوية تتضاعف حين تقترن بأيديولوجيات إقصائية، دينية كانت أو هوياتية أو قومية أو" ثورية" مغلقة، عندها تتحول من أسلوب تعبئة إلى أداة تمنح الإقصاء شرعية رمزية باسم" الشعب" أو" الهوية" أو" القيم".

وفي هذه اللحظة، لا تعود السياسة مجالاً للتعدد والتفاوض، بل تتحول إلى فضاء للفرز الأخلاقي والهوياتي و" الثوري"، حيث يُعاد تقسيم المجتمع إلى" نحن" و" هم"، و" أمناء" و" خونة"، و" أصيلين" و" دخيلين".

وهكذا يُختزل الوطن في جماعة، ويُختزل الشعب في أتباع، وتُختزل المعارضة في خيانة، فتتآكل السياسة بوصفها مجالاً مشتركاً بين المواطنين.

وفي الحالة التونسية، لم تكن عقود الاستبداد في عهدَي بورقيبة وبن علي مجرد أنظمة سياسية مغلقة، بل أيضاً مرحلة طويلة من إضعاف السياسة نفسها بوصفها مجالاً للتفاوض والتعدد، فقد قُيِّدَت الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، بما أفرز انتقالاً ديمقراطياً مثقلاً بضعف مؤسساتي وثقافي.

إلى أن جاءت لحظة 2011، حينها لم تجد الديمقراطية أرضية صلبة بقدر ما وجدت فراغاً سياسياً سرعان ما غمرته خطابات متنافسة: دينية وهوياتية وشعبوية، يمينية ويسارية، قدّمت نفسها بدائل جذرية، لكنها أعادت إنتاج منطق الاستقطاب، بدل ترسيخ قواعد التعدد.

وهكذا بدا الانتقال الديمقراطي ليس فقط انفتاحاً على الحرية، بل أيضاً انتقالاً إلى فضاء مشحون بوعد اليقين السريع، على حساب مسار التوافق الطويل والمعقّد.

ولكن الأزمة لا تتوقف عند النخب السياسية وحدها، بل امتدّت إلى علاقة المجتمع بالسياسة نفسها، فمع تراكم خيبات التمثيل، وضعف البدائل، وتآكل الثقة، بدأ المواطن ينسحب تدريجياً من الفعل السياسي نهائياً، وتراجعت المشاركة، وضعف الانخراط الحزبي والنقابي، وتحوّل المجال العام من فضاء للتأثير إلى فضاء للمشاهدة أو السخرية أو اللامبالاة، وهكذا لم تعد الأزمة أزمة تمثيل فقط، بل أزمة علاقة بين المجتمع والسياسة.

السؤال والنقد ليسا خطراً على الاستقرار، بل صمام أمان ضدّ الانغلاق والاستبدادوهكذا تعيش تونس اليوم حالة فراغ سياسي تتجلى في عجز مزدوج: سلطة لم تعد قادرة على إنتاج معنى جامع للسياسة أو رؤية للمستقبل، ومعارضة لم تنجح في التحول من ردّ الفعل إلى بناء بديل سياسي متماسك.

وبين هذا وذاك، يتقلص الفضاء السياسي بين خطاب رسمي فاقد للإقناع، واعتراض مشتّت لا يرقى إلى مستوى المشروع، فتتحوّل السياسة إلى سطح صاخب يخفي فراغاً عميقاً: شرعية منهكة، واعتراض غير مؤسّس، ومجتمع غير مبالٍ، يراقب من مسافة متزايدة.

ولا يمكن فصل هذا التآكل السياسي عن الوضع الاقتصادي، ففي ظل مؤشّرات مقلقة وتراجع القدرة الشرائية، يصبح واضحاً أن أي تعافٍ اقتصادي مستدام لا يمكن أن يتحقق من دون حد أدنى من الاستقرارين، السياسي والمؤسّساتي.

لا يمكن أن يتحقق الخروج من هذا المسار بالشعارات أو الانفعالات أو ردود الفعل الآنية، بل يقتضي خياراتٍ طويلة الأمد تعيد بناء الدولة والمجال العام معاً.

وتبدأ هذه العملية بإعادة الاعتبار للمؤسّسات بوصفها ركائز دائمة لا أدوات ظرفية: قضاء مستقل يضمن العدالة، وإدارة محايدة تخدم المصلحة العامة، وتوازن فعلي بين السلطات يمنع التفرّد ويصون المساءلة.

غير أنّ استعادة الدولة لا تكتمل من دون استعادة السياسة نفسها: سياسة تقوم على البرامج لا الولاءات، وأحزاب تؤطّر المواطنين بدل استتباعهم، ومجتمع مدني حيّ، ومجال عام يتيح الاختلاف دون تخوين، والنقد دون إقصاء.

فالديمقراطية لا تعيش في الفراغ، ولا تُختزل في انتخابات دورية أو نصوص دستورية، بل تزدهر داخل مؤسّسات قوية وثقافة سياسية تعترف بأن الاختلاف ليس تهديداً للوحدة، بل شرطٌ للحياة العامة، وأنّ السؤال والنقد ليسا خطراً على الاستقرار، بل صمام أمان ضدّ الانغلاق والاستبداد.

ولذلك، ليست استعادة الدولة لحظة انفعالية ولا قراراً فوقياً، بل مسارٌ طويل يبدأ بإعادة بناء المؤسّسات، ويمرّ بإحياء السياسة بوصفها فضاءً للتعدّد والتسويات، وينتهي بإعادة ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع.

فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تراجع الديمقراطية، بل في اعتياد غيابها، وفي تحوّل المجال السياسي إلى فضاء مُنهك: مؤسسات فاقدة للفاعلية، وخطابات عاجزة عن الإقناع، وفاعلون بلا أثر حقيقي.

عندها لا تسقط الديمقراطية بقرارٍ صريح أو انقلابٍ معلن، بل تتآكل تدريجياً وبصمت، حتى تُفرَّغ من مضمونها قبل أن تفقد شكلها، وتتحوّل إلى واجهة سياسية تُخفي فراغاً عاماً يتّسع بصمت.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك