يدفع لبنان من “لحمه” الجغرافي وبنيته المجتمعية أثماناً باهظة ومباشرة نتيجة المغامرات العبثية والهلوسات السياسية المنفصلة عن الواقع التي يمارسها الوكيل الإيراني المأزوم؛ ففي اللحظة التي قرر فيها الأمين العام للحزب المحظور نعيم قاسم إشهار ورقة الانقلاب المسلح والوعيد بالإطاحة بالحكومة اللبنانية الشرعية عبر سلاح “الشارع” والبلطجة المنظمة، لم يكن يدرك أنه يقدم لواشنطن وتل أبيب الذريعة الاستراتيجية الكبرى والضوء الأخضر لنسف معادلات القواعد المعمول بها كلياً.
هذه السقطة السياسية المدوية التي استدعت رداً صاعقاً ومباشراً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي رفع الفيتو وتوعد “الحزب” بمواجهة مفتوحة، استُتبعت بخطوة حاسمة من الرئيس دونالد ترامب فوراً، إذ وبعد محادثات مكثفة وعميقة مع الجانب الإسرائيلي كشفت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية، عمد ترامب إلى “رفع قدمه” بالكامل عن “مكابح” القيود والضوابط؛ ما منح إسرائيل تفويضاً مطلقاً وعابراً للخطوط الحمراء الأميركية كافة بالاغتيالات المفتوحة وتصفية الرؤوس الكبيرة في “الحزب المحظور”.
ولم يتأخر تفعيل هذا الضوء الأخضر الأميركي الصادم، إذ تُرجم سريعاً بغارة زلزالية عنيفة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، مستهدفةً القيادي البارز علي الحسيني، قائد وحدة الصواريخ بفرقة “الإمام الحسين” التابعة مباشرة لفيلق القدس الإيراني، لتؤكد هذه العملية أن واشنطن أسقطت الحصانات والخطوط الحمراء واستبدلتها بالضوء الأخضر لإسرائيل لتضرب أينما كان وفي أي منطقة، لكنها ربما أبقت، حتى الآن، على الضوء الأحمر المانع لاستهداف مرافق الدولة اللبنانية.
هذا التدحرج العسكري والأمني المتسارع تجاوز بالكامل حدود النقاش التقني القديم الذي كان يتمحور حول جغرافيا الليطاني؛ حيث جرف التدفق البري الكثيف للقوات الإسرائيلية “الخط الأصفر” والحزام الأمني الذي أقامته، الأمر الذي أكده بنيامين نتنياهو بأعلانه أن “القوات الإسرائيلية عبرت نهر الليطاني”، لينتقل التهديد الوجودي وقضم الأراضي مباشرة نحو مدينتي صور والنبطية اللتين باتتا تعيشان محرقة حقيقية وتهجيراً قسرياً واسع النطاق بظل أوامر الإخلاء بالجملة.
والمفارقة الصادمة في حسابات الربح والخسارة، أن الخطط العسكرية والتوغل البري انتقل بوضوح ليصبح حديثاً عملياتياً موثقاً عن جغرافيا شمال نهر الزهراني؛ ما يعني سقوط مئات الكيلومترات المربعة من أراضي الجنوب تحت وطأة احتلال متجدد استجرّه “الحزب المحظور” تحت مسمى “التحرير الثالث” الواهم الذي تروّج له المجموعات المنفصلة عن الواقع، في وقت يتم فيه تدمير الجنوب وتصفية قيادات التنظيم الإيراني في لبنان وعناصره بالمئات.
وفي خط موازٍ لهذه المحرقة، لا بد من التذكير بأن “صدمة الأرض” تتلاقى مع الزلزال الدبلوماسي الأميركي الذي تمثل بالعقوبات “المفاجئة” التي فرضتها وزارة الخزانة والتي شملت، للمرة الأولى، قادة أمنيين بارزين في الدائرة الضيقة لحركة أمل باستهداف الجانب المالي، فضلاً عن فرض عقوبات على ضابطين كبيرين في مخابرات الجيش والأمن العام بتهمة التماهي مع “الحزب”.
هذه التحولات الزلزالية عشية جلسة التنسيق العسكري والأمني المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة في البنتاغون، تُثبت أن المجتمع الدولي والدول الكبرى صاغوا معادلة حديدية واضحة لا تقبل الرمادية: ممنوع استهداف قصر بعبدا أو السرايا الحكومية (عون وسلام) بسلاح الابتزاز أو التهديد أو الهيمنة الإقليمية لطهران.
ومع إصرار الدوائر الغربية على تفكيك الترسانات غير الشرعية وملاحقة شبكات التمويل وتجارة الممنوعات التي انهار تصريفها مع سقوط نظام الأسد في سوريا، ينكشف الغطاء بالكامل عن “التنظيم الإيراني المسلح في لبنان”؛ والذي يبدو أنه بات يستهلك مخزونه من المهلوسات تبعاً لما ينفثه من سموم لفظية وقحة وسافرة ضد الدولة والشرعية والرئيسين جوزيف عون ونواف سلام.
لكن قطار التحرير والسيادة، الفعلي والحقيقي، الذي تقوده الدولة اللبنانية، مدعوماً بمظلة عربية ودولية، يمضي بثبات نحو حصر قرار الحرب والسلم والسلاح بيد الجيش اللبناني وحده؛ تاركاً “حزب الهلوسة” يبتلع نتائج حماقاته السياسية التي أعادت الاحتلال إلى القرى وجلبت غارات التصفية إلى قلب الضاحية، في مشهد يُسطِّر السقوط الأخلاقي والسياسي الكامل لمن ظن يوماً أنه قادر على ابتزاز الوطن ومؤسساته الدستورية الشرعية لحساب نظام الولي الفقيه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك