تتنوع فلسفات تربية الأطفال حول العالم بناءً على الموروث الثقافي والظروف البيئية، وما قد يراه البعض" إهمالاً" في مجتمع ما، يُعد في مجتمع آخرأداة لبناء شخصية قوية ومستقلة، وإن ما نعتبره" غريباً" ليس سوى وسيلة مجتمع ما لتجهيز أطفاله للعيش في بيئتهم الخاصة، فبينما يحمي الدنماركي طفله بالبرودة، يحميه الياباني بالمسؤولية، ويحميه المصري بالموروث الشعبي، ونستعرض أغرب أساليب التربية في عدد من الدول بين الغرب والشرق والعالم العربي.
أولا- في الدنمارك، حيث تجد عربات الأطفال مصفوفة خارج المقاهي أو في الشرفات بينما تتساقط الثلوج، فيترك الآباء أطفالهم ينامون في الهواء الطلق في درجات حرارة قد تصل إلى ما تحت الصفر، لأن الدنماركيون يعتقدون أن الهواء النقي يقوي المناعة، ويساعد الطفل على النوم بعمق لفترات أطول، وهي ممارسة شائعة في أغلب دول الشمال الأوروبي.
ثانيا - في طوكيو، فمن المعتاد رؤية طفل في السادسة من عمره يستقل قطار الأنفاق بمفرده أو يذهب لجلب المشتريات من المتجر، لأن اليابانيين يطبقون مبدأ" أوكايمونو" أو(التسوق الصغير)، حيث يُكلف الأطفال بمهام خارجية بمفردهم لتعزيز الاعتماد على النفس، فالمجتمع هناك يعمل كشبكة أمان، فالثقة المتبادلة بين الغرباء تسمح للأطفال بالحركة بحرية وأمان، الغريب أن هذه الحرية لا تؤدي إلى الفوضى، بل تُنتج أطفالًا شديدي الانضباط.
ثالثا - النرويج، فهى تمتلك فلسفة تربوية تمنع العقاب البدني تماماً وتنبذ الصراخ، والغرابة تكمن في المساواة المطلقة بين الطفل والبالغ، حيث يُعامل الطفل كعضو له رأي حاسم في قرارات الأسرة منذ سن مبكرة جدا، كما يتم تشجيع الأطفال على اللعب في الطين والظروف الجوية القاسية كجزء من المنهج الدراسي الوطني تحت شعار" لا يوجد طقس سيء، بل ملابس غير مناسبة".
رابعا - في بعض المناطق الموريتانية، لا تزال هناك بقايا لثقافة تربوية تربط بين صحة الطفل (خاصة الفتيات) ووزنه الزائد، فالآباء يُشجعون أطفالهم على تناول كميات ضخمة من حليب الإبل والنشويات، ورغم تراجع هذه العادة في المدن، إلا أن" التبراك" يظل نمطاً تربوياً غريباً يهدف لإظهار الرخاء المادي والجمالي للأسرة عبر أجساد الأطفال.
خامسا - في مصر، تبدأ التربية بطقوس" السبوع"، حيث يُهز الطفل في غربال ويتم المرور فوقه سبع مرات مع ترديد وصايا طاعة الأم، ولاحقاً، تبرز ظاهرة" البعبع" أو" أمنا الغولة" كأدوات تربوية لتنظيم سلوك الطفل، رغم طابعها الأسطوري، إلا أنها تعكس رغبة الأهل في ضبط الفضول الطفولي الزائد عبر خلق حدود وهمية قائمة على الرهبة الممزوجة بالدعابة.
سادسا - في فرنسا، لا يوجد" طعام للأطفال" وآخر للبالغين، فيُجبر الأطفال على تناول ما يأكله الكبار، من الأجبان القوية إلى الخضروات المعقدة، الغرابة تكمن في الصبر الصارم، حيث يُمنع الأطفال من تناول الوجبات الخفيفة بين الوجبات الرئيسية تماماً، والهدف هو تعليم الطفل ضبط النفس وتقدير فن الطعام كجزء من الهوية الوطنية.
سابعا - في السويد، فتُعتبر سياسة" عدم العقاب" من الركائز الأساسية، حيث يُمنع تمامًا استخدام الضرب أو العقوبات القاسية، حيث يُشجع الآباء أبائهم على الحوار والتفاهم، حتى مع الأطفال الصغار، وقد يبدو هذا الأسلوب متساهلًا، لكنه أسهم في خلق أجيال أكثر هدوءًا وتوازنًا نفسيًا.
ثامنا - في الولايات المتحدة، يُشجعون الأطفال على التعبير عن آرائهم بحرية حتى في مواجهة الكبار، هذا الأسلوب يعزز الثقة بالنفس، لكنه أحيانًا يُفسر على أنه قلة احترام في ثقافات أخرى، كما أن الأطفال يُمنحون مساحة كبيرة لاتخاذ قراراتهم الخاصة في سن مبكرة.
تاسعا – نجد أن المملكة العربية السعودية تميل إلى الجمع بين القيم التقليدية والانفتاح الحديث، فبينما لا تزال الأسرة تلعب دورًا محوريًا في اتخاذ القرارات، بدأ يظهر توجه نحو تشجيع الاستقلالية لدى الأطفال، خاصة في المدن الكبرى، ومحاولة عمل توازن بين الصرامة والمرونة في آن واحد.
عاشرا - في المغرب، يشارك الجيران والأقارب في تربية الطفل، فقد يبدو هذا تدخلاً زائدًا، لكنه يعزز شعور الطفل بالانتماء والدعم الاجتماعي، كما أن الأطفال يُمنحون حرية اللعب في الشوارع، وهو ما يقل في مجتمعات أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك