إيلاف من موسكو: في عمق جمهورية تتارستان الروسية، وبعيداً عن خطوط المواجهة الساخنة مع أوكرانيا وأضواء الإعلام، حولت موسكو مجمعاً صناعياً نائياً في منطقة الاقتصاد الخاصة" ألابوغا" (Alabuga) إلى المحرك الأساسي لأكثف حرب طائرات مسيّرة في التاريخ، محققة قفزات إنتاجية هائلة بدعم تكنولوجي ولوجستي مباشر من بكين، وفق ما كشفه تقرير استقصائي لصحيفة" التلغراف" (The Telegraph) البريطانية، الجمعة (29 مايو 2026).
وأوضح التقرير أن المصنع الذي كان ينتج نحو 10 طائرات مسيّرة فقط من طراز" شاهد-136" الإيرانية الأصل يومياً في بداياته، رفع قدرته الإنتاجية بشكل قياسي ليصل اليوم إلى 440 طائرة يومياً، بمعدل يتراوح بين 5000 إلى 5500 طائرة شهرياً.
وأكدت الصحيفة أن موسكو لم تكن لتصل إلى هذه المعدلات المرعبة لولا قيام الصين بتزويدها بمعظم المكونات الحيوية اللازمة، بما في ذلك الرقائق الإلكترونية الدقيقة وأشباه الموصلات التي تعمل بمثابة" الدماغ المفكر" للمسيّرة، مما جعل سبنسر فاراغاسو، الباحث البارز في معهد العلوم والأمن الدولي، يصرح حازماً: " الصين هي فعلياً الداعم الأول للمجمّع الصناعي العسكري الروسي، وهي جزء من هذه الحرب بشكل كامل ولا يمكنها نفي ذلك".
ويستيقظ الأوكرانيون يومياً على أصوات هذه المسيّرات التي يطلقون عليها اسم" الدراجات النارية الطائرة" نظراً لصوت محركاتها الصاخب.
وتتميز طائرات" شاهد" بتكلفة إنتاجية منخفضة للغاية سمحت لروسيا بإطلاق أكثر من 8 آلاف طائرة خلال الشهر الماضي وحده—وهو المعدل الأعلى منذ اندلاع الغزو في فبراير 2022—بهدف إغراق الدفاعات الجوية الأوكرانية وإرباك أنظمة الاعتراض، لتمهيد الطريق أمام الصواريخ الباليستية وكروز المصاحبة لها لضرب أهدافها بدقة.
وتعود جذور المشروع إلى الأيام الأولى للحرب عندما كانت موسكو تشتري الطائرات جاهزة من طهران، قبل أن تنتقل في عام 2023 إلى الإنتاج المحلي داخل مصانع" ألابوغا" بموجب اتفاق سري مع إيران قضى بصناعة 2738 طائرة في ذلك العام.
وبحسب تحليل مختبري للاستخبارات العسكرية الأوكرانية (GUR) أجري على حطام المسيّرات المستعادة، تبين أن 65% من المكونات مصدرها الصين، بالرغم من تعمد بكين تنظيف وتحوير بيانات التجارة الدولية لإخفاء قنوات الإمداد.
وتشمل هذه الإمدادات الدوائر المنطقية القابلة للبرمجة (FPGAs)، وألياف الكربون، والبطاريات، والهوائيات، بل وخطوط إنتاج كاملة لهياكل الطائرات.
وساهمت شرائح" FPGA" الصينية القابلة لإعادة البرمجة في إحداث نقلة نوعية؛ إذ تتيح تحديث أنظمة الملاحة والتوجيه والتحليق ببرمجيات جديدة حتى بعد خروج الطائرة من المصنع، مما منح النسخ الأحدث مِطالاً عملياتياً أطول، وبصمة رادارية أقل، وأنظمة تشويش مضادة متطورة.
وإلى جانب التطوير التقني، نجحت القطع الصينية الرخيصة في خفض تكلفة صناعة الطائرة الواحدة من 20 ألف دولار (حين كانت تُستورد من إيران) إلى ما بين 7 آلاف و10 آلاف دولار فقط حالياً.
ومن جهتها، علقت كارولينا هيرد، الباحثة في معهد دراسة الحرب (ISW)، قائلة إن" ألابوغا تمثل المركز الفعلي لتعاون (تحالف الخصوم) الذي يضم روسيا، وإيران، وكوريا الشمالية، والصين"، وسط تحذيرات أوكرانية من أن إنتاج المصنع قد يكسر حاجز الـ 10 آلاف وحدة شهرياً بحلول نهاية العام الجاري ما لم يحصل الجيش الأوكراني على ضوء أخضر غربي لضرب المجمع في العمق الروسي أو قطع شريان الإلكترونيات الصيني بالكامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك