أثار إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في شأن توسيع مظلة الردع النووي الفرنسي لتشمل دولاً أوروبية جديدة، من بينها النرويج، اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والعسكرية، بخاصة أن هذه الخطوة تأتي في وقت تعيش فيه أوروبا واحدة من أكثر مراحلها الأمنية حساسية منذ نهاية الحرب الباردة.
فالحرب الروسية - الأوكرانية، وتصاعد التوتر بين موسكو والغرب، إضافة إلى الشكوك المتزايدة حول مدى استمرار الالتزام الأميركي الكامل بحماية أوروبا، كلها عوامل دفعت عدداً من الدول الأوروبية إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الجماعي والبحث عن ضمانات ردع إضافية.
يحمل التحرك الفرنسي رسائل سياسية وعسكرية عدة في آنٍ واحد، أولى هذه الرسائل أن أوروبا مطالبة اليوم بالاعتماد، بصورة أكبر، على نفسها في المجال الدفاعي، وعدم الاكتفاء بالمظلة الأمنية الأميركية التي ظلت، عقوداً، حجر الأساس في حماية القارة عبر حلف شمال الأطلسي، فباريس ترى أن التحولات داخل السياسة الأميركية، واحتمال صعود تيارات تميل إلى تقليص الانتظام العسكري الخارجي، قد تضع أوروبا مستقبلاً أمام تحديات أمنية لا يمكن مواجهتها بالاعتماد الكامل على واشنطن.
وتسعى فرنسا من خلال هذا الإعلان إلى توجيه رسالة واضحة إلى روسيا مفادها بأن أي تهديد مباشر لدول أوروبا، خصوصاً الواقعة قرب الحدود الروسية، لن يمر من دون ردع قوي، وأن الردع النووي لم يعد مرتبطاً حصراً بالقدرات الأميركية، بل باتت هناك قوة أوروبية مستعدة لأداء هذا الدور.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية كبيرة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وما رافقها من تصعيد في الخطاب النووي الروسي.
من الناحية السياسية، تحاول فرنسا أيضاً تعزيز موقعها كقائد استراتيجي داخل أوروبا.
فمنذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبحت فرنسا الدولة النووية الوحيدة داخل الاتحاد، ما منحها فرصة لتقديم نفسها باعتبارها القوة القادرة على قيادة مشروع" الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، لذلك فإن توسيع مفهوم الحماية النووية الفرنسية يمنح باريس نفوذاً سياسياً أكبر داخل القارة، ويعزز دورها في رسم السياسات الدفاعية الأوروبية مستقبلاً.
أما بالنسبة إلى الدول الأوروبية التي أبدت اهتماماً بالحماية النووية الفرنسية، فإن دوافعها ترتبط بصورة مباشرة بالمخاوف الأمنية المتزايدة من روسيا.
فدول مثل بولندا وليتوانيا والنرويج ترى نفسها في الخطوط الأمامية لأي تصعيد محتمل مع موسكو، سواء بسبب القرب الجغرافي أو بسبب حساسية مواقعها الاستراتيجية.
وقد دفعت الحرب الأوكرانية هذه الدول إلى الاعتقاد بأن التهديد العسكري التقليدي في أوروبا لم يعد احتمالاً بعيداً، بل واقعاً يجب الاستعداد له.
أوروبا تبحث عن بدائل نووية لمواجهة التهديدات المستقبليةفي السياق قال الباحث في الشؤون الدولية محمد رجائي بركات" من المؤكد أن عديداً من الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بدأت تخشى غياب المظلة النووية، خوفاً من احتمال تعرضها لضربة روسية أو صينية في المستقبل"، وأضاف بركات أن هذه الدول" ترى احتمال أن يقوم الرئيس الأميركي (دونالد ترمب) بسحب الحماية النووية عن الدول الأوروبية، أو عن بعضها".
وفي اعتقاد بركات أيضاً، " تحاول هذه الدول، قدر الإمكان، العودة إلى تعزيز التعاون مع القوتين النوويتين في أوروبا، وهما فرنسا وبريطانيا، من أجل توفير حماية للدول الأوروبية، غير أن هذا الأمر سيكون صعباً، لأن القدرات النووية العسكرية الفرنسية قد لا تكون كافية لردع أي هجوم محتمل"، مشيراً إلى أن الرئيس الفرنسي" كان قد طرح خطة لبناء مفاعلات نووية صغيرة، يتم توزيعها في مختلف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي"، وأكد بركات أن ذلك يعني، بالنسبة إلى عديد من الدول، " أن فرنسا ترغب في العودة إلى استخدام الطاقة النووية، ليس فقط لإنتاج الكهرباء، بل أيضاً عبر مفاعلات صغيرة الحجم".
ولفت الباحث في الشؤون الدولية إلى تصريحات الرئيس الفرنسي عند تقديم المشروع، إذ أكد أن هذه المفاعلات سيتم بيعها ونشرها في عدد من الدول الأوروبية، " تحسباً لانقطاع أو توقف إمدادات الطاقة من الغاز والنفط، بخاصة بعد الأزمات التي نتجت من فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا".
مظلة نووية بقيادة باريس في مواجهة روسيا وتقلبات الموقف الأميركيفي رأي المحلل في الشأن الفرنسي نبيل شوفان" تحاول فرنسا من خلال توسيع مشروع الردع النووي المتقدم، وإدخال النرويج إليه، توجيه مجموعة من الرسائل السياسية والعسكرية المتداخلة.
أولى هذه الرسائل موجهة إلى روسيا، ومفادها بأن أي محاولة للضغط أو التهديد العسكري ضد الدول الأوروبية، خصوصاً تلك الواقعة على الحدود أو القريبة من المجال الروسي، لن تواجه فقط عبر حلف شمال الأطلسي، بل أيضاً عبر شبكة ردع أوروبية تتصدرها باريس، إضافة إلى أن إشراك النرويج، الدولة المطلة على القطب الشمالي والمتاخمة لروسيا، يمنح المبادرة بعداً جغرافياً واستراتيجياً جديداً في منطقة تشهد تنافساً متزايداً على طرق الملاحة والطاقة".
وتابع شوفان" أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى الولايات المتحدة، إذ تسعى فرنسا إلى إظهار قدرتها على أداء دور أمني قيادي داخل القارة الأوروبية في ظل تنامي الشكوك في شأن استمرارية الالتزام الأميركي التقليدي بأمن أوروبا، ومن خلال الحفاظ على القرار النووي حصرياً بيد باريس، مع توسيع التشاور والتنسيق مع الحلفاء، تريد فرنسا أن تقدم نفسها باعتبارها الضامن النووي الأوروبي من دون إنشاء نسخة أوروبية من المظلة النووية الأميركية، ويعكس الإعلان طموح الرئيس إيمانويل ماكرون نحو تعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، عبر بناء قدرة ردع أوروبية أكثر استقلالاً داخل (الناتو) لا خارجه، بما يسمح لأوروبا بأن تصبح فاعلاً أمنياً أكثر تأثيراً وأقل اعتماداً على التحولات السياسية في واشنطن".
وعن الأسباب التي دفعت بعض الدول الأوروبية إلى البحث عن حماية نووية فرنسية أجاب شوفان، " يعود توجه عدد متزايد من الدول الأوروبية نحو المظلة النووية الفرنسية إلى مجموعة من المتغيرات الأمنية والاستراتيجية التي برزت خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمها الحرب الروسية على أوكرانيا وما رافقها من تسارع في التسلح الروسي وعودة التهديد النووي إلى قلب الحسابات الأوروبية، بخاصة لدى الدول القريبة من الحدود الروسية مثل بولندا وليتوانيا والنرويج، وقد عززت هذه التطورات شعوراً متنامياً بأن البيئة الأمنية الأوروبية أصبحت أكثر خطورة مقارنة بما كانت عليه بعد نهاية الحرب الباردة".
والعامل الثاني حسب شوفان" أن تزايد الشكوك حول استمرار الضمانات الأمنية الأميركية، خصوصاً مع عودة الخطاب الأميركي الداعي إلى تحميل الأوروبيين مسؤولية أكبر عن أمنهم ودفاعهم، على رغم أن معظم الدول الأوروبية لا تزال تعتبر (الناتو) والولايات المتحدة الركيزة الأساسية للردع، فهي تسعى في الوقت نفسه إلى إنشاء طبقة أمنية إضافية داخل أوروبا تحسباً لأي تغيرات مستقبلية في الموقف الأميركي، ربما لذلك تنظر بعض العواصم إلى القوة النووية الفرنسية، وهي الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا من التكتل، باعتبارها خياراً واقعياً لتعزيز الردع الأوروبي، إضافة إلى أن المبادرة الفرنسية لا تتطلب تقاسماً للقرار النووي، بل توفر آليات للتخطيط والتدريب والتنسيق الاستراتيجي، مما يجعلها أكثر قبولاً سياسياً لدى الدول المشاركة، ويعزز فكرة بناء استقلال استراتيجي أوروبي تدريجي من دون القطيعة مع (الناتو) أو الولايات المتحدة".
ورأى شوفان أيضاً أن التحرك الفرنسي لتوسيع مشروع" الردع النووي المتقدم" وضم النرويج إليه يحمل أبعاداً سياسية وعسكرية متعددة، ويمكن تلخيص فكرته في محاور أساسية عدة:تعتبر باريس أن توسيع التنسيق النووي الأوروبي يبعث برسالة واضحة إلى روسيا مفادها بأن أي تهديد للدول الأوروبية، بخاصة القريبة من الحدود الروسية، لن يواجه فقط عبر حلف شمال الأطلسي، بل أيضاً عبر شبكة ردع أوروبية تقودها فرنسا، إضافة إلى أن إشراك النرويج يمنح المشروع بعداً استراتيجياً في منطقة القطب الشمالي التي تشهد تنافساً متزايداً على الطاقة والممرات البحرية.
-رسالة سياسية إلى الولايات المتحدةتحاول فرنسا إظهار قدرتها على أداء دور أمني قيادي داخل أوروبا، خصوصاً مع تزايد النقاش داخل الولايات المتحدة حول تقليص الأعباء الأمنية الخارجية.
ووفق هذا التصور، تريد باريس أن تقدم نفسها كـ" ضامن نووي أوروبي" مع الاحتفاظ الكامل بقرار استخدام السلاح النووي بيدها، دون إنشاء نسخة أوروبية مطابقة للمظلة النووية الأميركية.
-تعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبييعكس هذا التوجه رؤية الرئيس ماكرون في شأن" الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، أي بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالاً داخل إطار" الناتو"، وليس بديلاً عنه، بما يقلل اعتماد أوروبا على التحولات السياسية في واشنطن.
أسباب اهتمام بعض الدول الأوروبية بالمظلة النووية الفرنسيةبحسب شوفان، " هناك عاملان رئيسان أولهما الحرب الروسية على أوكرانيا وما رافقها من عودة التهديد النووي والتوسع في التسلح الروسي، مما أثار قلق دول مثل بولندا وليتوانيا والنرويج.
وثانيهما تزايد الشكوك في شأن استمرارية الضمانات الأمنية الأميركية مستقبلاً، مما دفع بعض الدول الأوروبية للبحث عن طبقة ردع إضافية داخل أوروبا نفسها".
فرنسا لا تعرض تقاسماً للقرار النووي، بل تطرح التعاون عبر التخطيط والتدريب والتنسيق الاستراتيجي، مما يجعل المبادرة أكثر قبولاً سياسياً لدى الدول الأوروبية، مع الحفاظ على العلاقة مع" الناتو" والولايات المتحدة.
الخلاصة أن شوفان يرى المشروع الفرنسي محاولة لبناء دور أوروبي أمني أكثر استقلالاً، مع الحفاظ على التحالف الغربي التقليدي، في ظل بيئة دولية أصبحت أكثر توتراً وعدم يقين.
في المجمل، تكشف هذه التطورات عن أن أوروبا بدأت تدخل مرحلة جديدة من التفكير الأمني، تقوم على تقليل الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة، وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، والاستعداد لبيئة دولية أكثر توتراً وعدم استقرار.
وإذا استمرت الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر مع روسيا، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة تحولاً تاريخياً في بنية الأمن الأوروبي، تكون فيه فرنسا محوراً رئيساً في مشروع الردع النووي الأوروبي الجديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك