يميل كثير من الآباء والمعلمين إلى القلق عندما يعتاد الطفل على الكذب، خوفًا من أن يتحول هذا السلوك مع مرور الوقت إلى مؤشر على اضطرابات خطيرة أو حتى سلوك إجرامي في المستقبل.
لكن دراسة حديثة حملت أخبارًا مطمئنة نسبيًا، إذ أظهرت أن معظم الأطفال الذين يكذبون لا يواجهون بالضرورة مشكلات خطيرة عند البلوغ، وفقًا لموقع" ميديكال إكسبرس" العلمي.
ومع ذلك، حذّرت الدراسة من أن أنماطًا معينة من الكذب المستمر والمتزايد قد ترتبط لاحقًا بمشكلات نفسية وسلوكية وقانونية.
معظم الأطفال يتجاوزون مرحلة الكذب طبيعيًاالدراسة، التي نُشرت في مجلة" التطور وعلم النفس المرضي"، جاءت بعنوان: " نظرة شاملة: مسارات الكذب من سن 6 إلى 19 عامًا"، وأجراها باحثون من جامعة ماكغيل وجامعة مونتريال وكلية جون جاي للعدالة الجنائية في مدينة نيويورك.
واعتمد الباحثون على بيانات" دراسة كيبيك الطولية لأطفال الروضة"، التي تابعت آلاف الأطفال على مدى سنوات طويلة لفهم تطور سلوك الكذب لديهم.
وشملت الدراسة أطفالًا التحقوا برياض الأطفال الناطقة بالفرنسية بين عامي 1986 و1988، حيث جرى اختيار نحو 2000 طفل عشوائيًا كعينة تمثيلية، إضافة إلى أكثر من 1000 طفل ظهرت لديهم مشكلات سلوكية مبكرة.
وقالت فيكتوريا تالوار، الأستاذة في قسم علم النفس التربوي والإرشادي والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن الأطفال لا يتبعون جميعًا النمط نفسه في الكذب.
وأضافت: " أظهر معظم الأطفال في دراستنا مستويات منخفضة أو متناقصة من الكذب مع مرور الوقت، وبالنسبة لمعظمهم لا يُعد الكذب سلوكًا إشكاليًا".
وأوضحت النتائج أن غالبية الأطفال يتراجع لديهم الكذب تدريجيًا مع التقدم في العمر، دون أن يقود ذلك إلى اضطرابات أو سلوكيات خطيرة لاحقًا.
متى يصبح الكذب مؤشرًا خطرًا؟ركز الباحثون على تحديد ما أسموه" مسارات الكذب"، أي الأنماط المختلفة التي يسلكها الأطفال مع مرور السنوات، مثل الكذب العرضي أو المتكرر أو المتزايد.
وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين استمر لديهم الكذب بشكل كثيف أو ازداد مع الوقت كانوا أكثر عرضة لإظهار سلوكيات عدوانية واندفاعية في سن مبكرة، كما ارتبط ذلك لاحقًا بظهور أعراض اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع والحصول على إدانات جنائية في بداية مرحلة البلوغ.
واعتمدت الدراسة في تقييمها على تقارير الآباء والمعلمين، إضافة إلى بيانات تتعلق بالصحة النفسية عند سن 22 عامًا والسجلات الجنائية حتى سن 25 عامًا.
وترى تالوار أن أهمية الدراسة تكمن في قدرتها على التمييز بين الكذب الطبيعي المرتبط بمراحل النمو، وبين الأنماط التي قد تتطلب تدخلًا مبكرًا.
وقالت إن استمرار الكذب وتزايده مع مرور الوقت، خصوصًا عندما يقترن بالعدوانية والاندفاع، قد يكون إشارة إلى حاجة الطفل للدعم النفسي والتربوي، بدلًا من الاقتصار على العقاب.
وأضافت أن فهم هذه الأنماط قد يساعد أيضًا في تقليل الوصمة المرتبطة بالكذب لدى الأطفال، وتحسين أساليب الوقاية من المشكلات السلوكية طويلة الأمد.
وأشارت الباحثة إلى أن الدراسات المستقبلية قد تتمكن من تتبع الأفراد حتى مراحل متقدمة من البلوغ، لفهم التأثيرات الاجتماعية والمهنية والعاطفية طويلة الأمد المرتبطة بسلوك الكذب في الطفولة.
كما تأمل أن تسهم هذه الأبحاث في تطوير وسائل أفضل لدعم النمو الأخلاقي والاجتماعي للأطفال طوال حياتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك