أُجبرت ثماني عائلات في القدس المحتلة، اليوم السبت، على هدم منازلها بأيديها تنفيذاً لقرارات صادرة عن محاكم الاحتلال الإسرائيلي، تجنباً لتحمّل التكاليف الباهظة التي تفرضها سلطات الاحتلال عند تنفيذ عمليات الهدم.
وأسفرت هذه الإجراءات عن تشريد أكثر من 60 مقدسياً من منازلهم في رابع أيام عيد الأضحى المبارك.
وبدأت عمليات الهدم صباح اليوم في قرية قلنديا شمال غرب القدس، إذ أقدمت عائلة عوض الله على هدم ستة منازل تعود لها في الحي المحاذي لمجمع" عطروت" الاستيطاني، تجنباً لتحمل الغرامات الباهظة التي تفرضها سلطات الاحتلال في حال تنفيذ الهدم بواسطة آلياتها، وذلك بذريعة البناء من دون ترخيص.
وتقع المنازل في المنطقة الشرقية من قرية قلنديا بمحاذاة المدخل الحالي لمنطقة" عطروت" الصناعية الاستيطانية المحاذية لمنطقة مطار القدس الدولي المهجور.
وقال محمود عوض الله، أحد أفراد العائلة، لـ" العربي الجديد"، إنّ هذه المنازل كانت تخضع لإجراءات قضائية منذ سنوات طويلة، إلّا أن سلطات الاحتلال أعادت تفعيل ملفاتها في الآونة الأخيرة، بالتزامن مع المخططات الاستيطانية المطروحة في منطقة مطار القدس والأراضي المحيطة به.
ورغم تقديم أصحاب المنازل استئنافاً على قرار الهدم الصادر قبل نحو شهر، فإن بلدية الاحتلال اقتحمت الموقع برفقة قوات من الجيش في أول أيام عيد الأضحى (الأربعاء الماضي)، وأبلغت السكان بوجوب هدم منازلهم بأيديهم خلال عطلة العيد، مهدّدة بتنفيذ الهدم يوم الأحد أي الموافق غداً، إذا لم يستجيبوا، مع تحميلهم كامل التكاليف المترتبة على العملية.
وأشار عوض الله إلى أن هذا التهديد دفع العائلات إلى تنفيذ الهدم الذاتي لتقليل الخسائر المالية، خاصة أنّ الاحتلال يفرض على المواطنين تكاليف عمل الجرّافات العسكرية، وفرق الإخلاء وجميع النفقات المرافقة للعملية" بما فيها زجاجة الماء التي يشربها الجنود أثناء الهدم".
ولفت عوض الله إلى أن المنازل المستهدفة لا تندرج ضمن حالات الهدم الإداري، بل صدرت بحقها قرارات قضائية من محاكم الاحتلال، " ما جعل أصحاب المنازل وفق المنظومة الإسرائيلية الظالمة بحقّ المقدسيين، في موضع الإدانة القانونية".
وأكد عوض الله أن تكلفة الهدم في حال نفذتها سلطات الاحتلال كانت ستصل إلى عشرات آلاف الشواكل بالعملة الإسرائيلية، وهو ما فاقم الضغوط الواقعة على سكان المنازل.
وتندرج هذه العملية ضمن حملة أوسع طاولت الحي خلال الأيام الأخيرة، إذ هُدم منزل أمس الجمعة، يعود لذات العائلة، فيما بلغ عدد المنازل التي هُدمت حتى الآن أحد عشر منزلاً من أصل أربعة عشر كانت مهددة بالإخطارات في ذات الحيّ.
وبحسب عوض الله، فإن نحو خمسين فرداً من عائلته، بينهم أطفال ومسنون ومرضى، أصبحوا بلا مأوى بعد فقدان مساكنهم.
وفي ظل هذه الظروف، قال عوض الله إنّ أفراد العائلة يضطرون إلى البحث عن حلول مؤقتة للإقامة، إذ لجأ بعض الأفراد إلى منازل أقاربهم، بينما يسعى آخرون لاستئجار مساكن جديدة، فيما لجأ البعض إلى منزل قديم مكوّن من طابقين يعود بناؤه إلى فترة الحكم الأردني قبل عام 1967 ويحمل ترخيصاً رسمياً، الأمر الذي يحول دون استهدافه بالهدم.
وأضاف أنه" لم يتبقَّ في الحارة التي يسكنون بها سوى أربعة منازل تحمل تراخيص وأوراقاً رسمية قديمة تعود إلى الحقبة الأردنية، والتي يصعب على الاحتلال الالتفاف على القانون لهدمها، بحيث يركّز الاستهداف الآن على البناء الذي أقيم بعد قيام دولة الاحتلال".
وأكد عوض الله أنّ المنازل المهدمة أقيمت على أراضٍ مملوكة لأصحابها بموجب سندات" طابو" رسمية تعود إلى عهد الانتداب البريطاني والحكم الأردني، وليست أراضٍ مصنفة" أملاك غائبين"، ومع ذلك، ترفض سلطات الاحتلال، بحسب عوض الله، إصدار أي تراخيص بناء في منطقة قلنديا منذ احتلال القدس بسبب قربها من المطار.
في المقابل، تشرعن سلطات الاحتلال مخططات استيطانية لبناء وحدات سكنية يحلّ فيها المستوطن بدلاً من المقدسي صاحب الأرض.
وأشار عوض الله إلى أن عمليات الهدم اليوم، تمثل خطوة تمهيدية لتفريغ المنطقة من سكانها وتجهيزها لتنفيذ المشروع الاستيطاني المرتقب.
وفي حيّ البستان ببلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى، اضطر المقدسي مجاهد بدران إلى هدم منزله بيده ظهر اليوم، بعد سنوات من الملاحقة القضائية التي أعقبت صدور أمر هدم بحق المنزل المقام فوق منزل عائلته منذ عام 2019، بذريعة البناء من دون ترخيص.
وأشار بدران لـ" العربي الجديد" إلى أنّ إجراءات الملاحقة بدأت بعد عام واحد فقط من تشييد المنزل، إذ صدر أمر الهدم عام 2020، لتبدأ معركة قانونية استمرت ستّ سنوات.
وخلال تلك الفترة لجأ إلى محامٍ خاص على نفقته الشخصية بعدما أخفقت المسارات القانونية الأخرى في وقف القرار، ما كلّفه نحو 60 ألف شيكل (حوالى 20 ألف دولار أميركي) كأتعاب محاماة، إضافة إلى مخالفة مالية بقيمة 75 ألف شيكل (25 ألف دولار) ما يزال يسددها حتى اليوم في المحاكم الإسرائيلية.
ورغم تلك التكاليف الباهظة، أُبلغ قبل نحو شهر بأن سلطات الاحتلال ماضية في تنفيذ الهدم، ما دفعه في النهاية إلى تنفيذ القرار بنفسه.
وأضاف بدران أنّ اختياره الهدم الذاتي يعود إلى رغبته في تجنّب الأضرار التي قد تلحق بمنزل عائلته الواقع أسفل الشقة المستهدفة، فضلاً عن تفادي التكاليف الإضافية التي تفرضها بلدية الاحتلال.
وتتجاوز تداعيات الهدم خسارة البناء ذاته، إذ أكد بدران أن المنزل كان يؤويه مع زوجته وأطفاله الثلاثة، في وقت يجد فيه صعوبة بالغة في استئجار مسكن بديل، كما أن منزل والده مخطر ويواجه قرارًا سيصدر خلال العام القادم، علماً أنه مقام منذ عام 1991.
وفي خضم عملية الهدم، عبّر بدران عن شعوره بالخذلان، قائلاً: " أتحدث معكم وأنا أهدم منزلي بيدي، في وقت لا أتلقى فيه أي تواصل أو دعم أو تعويض، باستثناء متابعة الصحافيين لما يجري".
وفي السياق، أجبر الاحتلال المقدسي نبيل الرموني على هدم منزله قسرياً في بلدة بيت حنينا شمال القدس المحتلة، والمقام منذ عام 2011، ويأوي 9 أفراد، بالإضافة إلى تغريمه بمبلغ 35 ألف شيكل (أكثر من 11.
600 دولار).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك