استعادت هيفاء النجار طفولتها في مدينة الزرقاء الأردنية، المدينة التي وصفتها بأنها «فسيفساء اجتماعية» بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وُلدت سنة 1959 ونشأت داخل معسكر الزرقاء حيث كان والدها ضابطاً في الجيش العربي، وعن والدتها الفلسطينية القادمة من قرية الرامة في الجليل، والتي حملت معها ذاكرة فلسطين إلى البيت الأردني.
بالنسبة لها، لم تكن مدينة الزرقاء مجرد مكان للنشأة، بل كانت فضاءً لصناعة الوعي المبكر بقيم التعايش واحترام الآخر، مؤكدة أن العلاقات الإنسانية كانت تتجاوز كل الاعتبارات الأخرى.
قالت: " كبرنا بمدينة فيها تنوع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى… الجيرة كانت أهم من أصل الإنسان وفصله ودينه".
مؤكدة أن مدينة الزرقاء كانت نموذجاً حقيقياً للعيش المشترك بين أبناء العسكر والبدو واللاجئين الفلسطينيين والعائلات القادمة من خلفيات مختلفة.
حلم الجامعة الأميركية الذي أوقفته الحرباستعادت الوزيرة النجار حلمها القديم بالدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت، ذلك الحلم الذي رافقها منذ سنوات المدرسة.
فقد كانت بيروت بالنسبة لها امتداداً ثقافياً وعاطفياً لطفولتها، وكانت زيارات لبنان ومشاهدة مسرحيات فيروز جزءاً من تكوينها المبكر.
وقالت: " كانت فيروز جزءاً من البوصلة الأخلاقية التي نشأنا عليها".
لكن الحرب الأهلية اللبنانية قلبت مسار حياتها بالكامل.
فقبل التحاقها بالجامعة الأميركية، اضطرت للعودة إلى الأردن بسبب تدهور الوضع الأمني في لبنان.
ورغم الألم الذي رافق تلك اللحظة، ترى النجار اليوم أن تلك التجربة أعادتها إلى اكتشاف ذاتها ورسالتها الحقيقية.
تصف تلك المرحلة: " كل تجربة صعبة تولد الجديد… ولو أكملت دراسة الهندسة الكيميائية لما وجدت ذاتي ورسالة حياتي".
الجامعة الأردنية: رحلة نحو الذات والوطنبعد عودتها من لبنان، التحقت هيفاء النجار بالجامعة الأردنية سنة 1978، وهناك بدأت رحلة فكرية وإنسانية جديدة.
انتقلت من دراسة الكيمياء إلى علم النفس والعلوم التربوية، وانفتحت على الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا.
وتحدثت بإعجاب كبير عن أساتذتها الذين وصفتهم بأنهم «قامات أكاديمية ونماذج إنسانية»، مؤكدة أن الجامعة لم تكن بالنسبة لها مجرد مؤسسة تعليمية، بل فضاءً لبناء الوعي وطرح الأسئلة.
وأضافت: " الجامعة بالنسبة لي كانت رحلة نحو الذات، ونحو الوطن، ونحو الإنسان الآخر، ونحو العالم".
كما استحضرت دور عبد السلام المجالي، رئيس الجامعة الأردنية آنذاك، الذي منحها استثناءً أكاديمياً سمح لها بتغيير مسارها الدراسي، معتبرة أنه كان يؤمن بتطوير النظام لا بكسره.
العمل التطوعي: مدرسة الوعي الإنسانيإلى جانب الجامعة، كان العمل التطوعي جزءاً أساسياً من تجربة هيفاء النجار.
فقد عملت مع الأطفال ذوي الإعاقات العقلية والسمعية، وشاركت في مراكز تنمية المجتمع، معتبرة أن تلك التجارب أعادت تشكيل فهمها للإنسان.
وقالت: " الجميع يرى، لكن القليل يمتلك البصيرة".
وترى النجار أن العمل التطوعي ليس نشاطاً هامشياً، بل جزء من مفهوم المواطنة الحقيقي، مؤكدة أن المجتمعات العربية بحاجة إلى تعزيز ثقافة الواجب والمسؤولية الجماعية.
كما عبّرت عن فخرها بالحركات الشبابية الجديدة في الأردن، والتي ترى فيها امتداداً لقيم المبادرة والعمل المجتمعي التي نشأت عليها.
التربية كرسالة: كيف أعادت تعريف المدرسةفي حديثها عن تجربتها التربوية، فقد بدأت العمل في المدرسة الأهلية للبنات وهي ما تزال طالبة جامعية، قبل أن تصبح لاحقاً المديرة العامة للمؤسسة.
لكن ما شددت عليه أكثر من أي شيء آخر هو رغبتها في كسر النموذج التقليدي للتعليم.
تقول: " حوّلنا الروضة إلى مكان للاستكشاف والمسرح وكتابة القصة… السؤال أهم من الأجوبة".
وترى النجار أن الطفل يجب أن يُعامل باعتباره «عالماً مستكشفاً»، لا مجرد متلقٍ للمعلومات، وأن المدرسة يجب أن تكون فضاءً للإبداع والتأمل والبحث، لا مؤسسة للحفظ والتكرار.
كما انتقدت النموذج المدرسي الذي يرهق المعلمين ويقتل روحهم الإبداعية، مؤكدة أن بناء بيئة تعليمية صحية يتطلب منح المعلم والطالب مساحة للتجربة والحلم والتفكير.
حين تصبح الثقافة مشروع دولةعندما عُيّنت وزيرة للثقافة سنة 2021، حملت هيفاء النجار معها رؤية تعتبر الثقافة جزءاً أساسياً من مشروع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرد قطاع هامشي أو ترف فكري.
وأكدت أن الثقافة بالنسبة لها مرتبطة مباشرة بالهوية والإنتاج والاقتصاد وبناء الإنسان، وقالت: " الثقافة تقع في قلب كل ما يتصل بالنمو الاقتصادي".
كما شددت على أن الأردن يمتلك ثروة هائلة من التراث المادي وغير المادي، من الموسيقى إلى الخط العربي والحرف التقليدية والصناعات الإبداعية، معتبرة أن الاستثمار الحقيقي في الثقافة يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل وطني.
وفي هذا السياق، دعت إلى إعادة وضع وزارات الثقافة العربية في قلب السياسات الحكومية، وإلى بناء شراكات مع التعليم والقطاع الخاص والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية.
وأضافت: " وزارة الثقافة لا تستطيع أن تعمل بعزلة عن التربية والتعليم ولا عن الاقتصاد ولا عن الرقمنة".
لم يكن الحوار مجرد سرد لمسيرة مهنية، بل قدّمت هيفاء النجار رؤية تؤمن بأن الثقافة والتعليم والوعي هي الأساس الحقيقي لبناء المجتمعات.
وبين الحديث عن الهوية، والتربية، والعمل الثقافي، بدت متمسكة بفكرة واحدة: أن الإنسان لا يُبنى بالقوانين وحدها، بل بالمعرفة والذاكرة والقدرة على طرح الأسئلة وصناعة الأمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك