أعلنت الخارجية الفلسطينية أن إدراج إسرائيل على قائمة العار الأممية الخاصة بالعنف الجنسي موضوعي وواقعي، وجاء هذا التصريح بعد قرار الأمم المتحدة بإدراج الجيش والقوات الأمنية الإسرائيلية على قائمة العار أو القائمة السوداء المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والعنف الجنسي في مناطق النزاع.
يمثل هذا القرار خطوة قانونية ودبلوماسية بارزة، إذ يستند إلى تقارير سنوية تصدر عن الأمين العام للأمم المتحدة ومكتب الممثلة الخاصة المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع.
جاء القرار بناءً على تحقيقات أجرتها لجان أممية مستقلة، وخبراء حقوق الإنسان، ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، واعتمدت هذه اللجان على مئات الشهادات الموثقة من الضحايا وشهود العيان، والكوادر الطبية، بالإضافة إلى صور ومقاطع فيديو التقطها جنود أو سُربت من مراكز الاحتجاز (مثل معسكر سدي تيمان) سيئ السمعة، وكان آخر هذه الانتهاكات احتجاز نشطاء أسطول الصمود وتعذيبهم والاعتداء عليهم بالضرب والشتم، وتباهي وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير بهذه الممارسات العنيفة علناً وبفيديوهات موثقة دون خجل.
عندما اعترضت القوات البحرية الإسرائيلية سفن أسطول الصمود العالمي في المياه الدولية واقتادت الناشطين المتضامنين مع غزة إلى مراكز الاحتجاز قبل ترحيلهم، تعرضوا إلى ممارسات مشابهة لتلك التي تُمارس ضد المعتقلين الفلسطينيين.
وكانت حصيلة الاعتداءات بعد الإفراج عن الناشطين وترحيلهم إلى بلدانهم كما أعلن منظمو الأسطول رسمياً ما لا يقل عن 25 ناشطاً دولياً أبلغوا عن تعرضهم لاعتداءات جنسية مباشرة، بما في ذلك حالات اغتصاب كاملة أثناء فترة احتجازهم.
هذه الوحشية أعادت إلى الأذهان ما يتعرض له المعتقلون الفلسطينيون من شتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، ولعل سجن سدي تيمان العسكري الواقع في صحراء النقب يعد أحد أبرز الشواهد على الانتهاكات الجسيمة والممارسات القاسية بحق المعتقلين الفلسطينيين، وقد امتدت هذه الانتهاكات لتشمل الناشطين الدوليين في الأساطيل التضامنية مثل ما حدث مع أسطول الصمود العالمي.
سجن سدي تيمان هو منظومة التعذيب والانتهاكات الجنسية على الإطلاق، وقد أشارت التقارير الحقوقية والأممية إلى أن السجن لم يكن مجرد مركز احتجاز مؤقت، بل أُدير كمعسكر تعذيب منظم يخضع لإشراف مباشر من وحدات عسكرية خاصة (مثل الوحدة 100).
وأهم ما يميزه العنف الجنسي الممنهج الذي وثقته تقارير للأمم المتحدة كحالات اعتداء جنسي واغتصاب جماعي واغتصاب باستخدام أدوات حادة ضد المعتقلين من الرجال والفتيان والنساء على حد سواء.
وتضمنت الانتهاكات إجبار المعتقلين على العري الكامل لفترات طويلة، والتعرض لهجمات الكلاب البوليسية في المناطق الحساسة، والصعق بالكهرباء والضرب المبرح على الأعضاء التناسلية.
وبعض هذه الاعتداءات جرى تصويرها وتسجيلها من قبل الجنود أنفسهم أو عبر كاميرات المراقبة الداخلية للموقع، والحادثة الشهيرة التي تسربت لوسائل الإعلام واعُتقل على إثرها 5 جنود من الوحدة 100 انتهت بإسقاط جميع التهم عنهم وإعادتهم للخدمة العسكرية، في حين تمت ملاحقة المحامي العسكري الذي سرب شريط الفيديو!
إن فضيحة الاعتداء على ناشطي أسطول الصمود فجرت الأزمة من جديد بسبب العنف الشديد الذي تعرض له الناشطون على مرأى ومسمع العالم، باستخدام الصعق ببنادق التيزر الكهربائية، والضرب المبرح الذي أدى إلى كسور في العظام، والحرمان من النوم، والتعرض للإهانة اللفظية والنفسية الحاطة بالكرامة الإنسانية، فتسببت هذه الاعتداءات في أزمة سياسية دبلوماسية لا سيما مع دول مثل ألمانيا التي أعلنت إصابة عدد من مواطنيها، وإيطاليا وإسبانيا وغيرهم الذين استدعوا السفير الإسرائيلي في بلدانهم، وفي المقابل واجهت وزارة الخارجية الإسرائيلية والمسؤولون الحقائق بنشر مقاطع تسخر من الناشطين والادعاء بأن إصاباتهم كانت مفتعلة، ومُثلت أمام الكاميرات! بينما وُجهت انتقادات حادة لوزير الأمن القومي لتفاخره بالإجراءات الصارمة المتخذة ضد المعتقلين والناشطين.
لقد أكدت المنظمات الحقوقية مثل «بتسيلم» أن إفادات الضحايا المتطابقة تعكس سياسة عامة متبعة، تهدف إلى كسر وإذلال الضحايا، وسط بيئة تضمن للفاعلين إفلاتاً تاماً من العقاب والمحاسبة القانونية بدعم وتبرير من أعلى المستويات السياسية، وهو ما دأبت عليه إسرائيل منذ عقود تبريراً لممارساتها القمعية الممنهجة ضد النشطاء والمعتقلين الفلسطينيين.
لقد رأت التقارير الأممية أن السلطات القضائية والعسكرية الإسرائيلية لم تقم بإجراء تحقيقات جادة أو فرض عقوبات رادعة على الجنود المتورطين بالانتهاكات المجرمة دولياً وقانونياً، بل إن البيئة القانونية والسياسية الإسرائيلية وفرت غطاء وحصانة لهؤلاء الأفراد، ما يشير إلى أن هذه الممارسات لم تكن تصرفات فردية معزولة، بل تعكس غياباً للمساءلة الممنهجة.
أما التداعيات المترتبة عن القرار الأممي فهو يضر بمكانة إسرائيل السياسية والدولية، ويضع الدولة في ذات القائمة مع منظمات وجماعات مسلحة يوصف بالخزي دبلوماسياً، حيث يجردها من الحجج المتعلقة بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني ويضعها تحت رقابة دولية مستمرة، كما أنه يدعم التحقيقات الدولية في لاهاي إذ تشكل التقارير الأممية المعتمدة مرجعية وأدلة دامغة، يمكن للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية الاستناد إليها في القضايا المرفوعة ضد إسرائيل، والمتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإن كنت أشك على المستوى الشخصي أن يحدث ذلك فرقاً في السياسات الإسرائيلية التي تضرب عرض الحائط كل ما هو قانوني أو شرعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك