في كواليس صناعة القرار الاستراتيجي، حيث تُصاغ السياسات الكبرى وتُبنى الرؤى العابرة للقطاعات، لم يعد التحدي الأكبر في شحّ البيانات أو ضعف أدوات التحليل أو غياب الخبراء.
على العكس تماماً، نحن نعيش اليوم في عالم تتدفق فيه البيانات بغزارة، وتزداد فيه أدوات القياس والتحليل تطوراً، وتتشكل حول القرارات الكبرى طبقات متراكمة من الخبرة والاستشارات والنماذج الفنية والاقتصادية.
غير أن هذه الوفرة ذاتها قد تصبح أحياناً جزءاً من المشكلة، بل ربما تتحول إلى غطاء ناعم يخفي تحت سطحه هشاشة عميقة في طريقة التفكير.
اضافة اعلانما يقلقني في بعض بيئات التخطيط رفيعة المستوى ليس غياب العقلانية، بل الإفراط المنظم في استخدامها لتبرير ما تقرر مسبقاً.
هنا يظهر ما يمكن تسميته بفخ الكفاءة المعرفية، حين تمتلك المنظومة من الأدوات والخبرات واللغة الفنية ما يكفي لبناء استراتيجية متماسكة، مقنعة، قابلة للتسويق، لكنها قد تكون مبنية على انتقاء واعٍ لما يخدم الفرضية، وتحييد هادئ لما يهددها.
في هذه اللحظة، لا يعود التخطيط أداة لفهم الواقع واستشراف المستقبل، بل يتحول إلى هندسة متطورة لعقلنة الرغبة المؤسسية أو الشخصية.
تبدأ المؤسسة أو المسؤول بفكرة كبرى أو طموح مشروع، ثم تُسخّر حوله البيانات والمصفوفات والتحليلات إلى أن يبدو المسار وكأنه النتيجة الطبيعية الوحيدة للعقل والمنطق.
لكن السؤال الأخطر يبقى: هل قادتنا الأدلة فعلاً إلى هذا الخيار، أم أن الخيار سبق الأدلة ثم استدعاها لتقف في صفه؟أحيانًا عندما تتبنى المنظومات فرضية استراتيجية كبرى، ينشط داخل عقلها المؤسسي ما يعرف بالتفكير الدافعي.
لا تعود الحقائق وحدها هي التي تقود النقاش، بل تتدخل الرغبات، والمصالح، والاستثمارات السابقة، والتوقعات السياسية، في تشكيل الطريقة التي تُقرأ بها المعلومات.
وهكذا تتحول فرق التخطيط، أحياناً دون وعي كامل، من باحث محايد عن الحقيقة إلى محامٍ بارع يدافع عن جدوى الفرضية، يعرف ما الذي يبرز، وما الذي يؤجل، وما الذي سيدفن في الهامش.
هنا لا يكون الانحياز التأكيدي مجرد ميل نفسي بسيط، بل يصبح أحياناً ممارسة مؤسسية منظمة.
تُستخدم أدوات البحث الرصينة، والنماذج الكمية، والمؤشرات الدولية، لا لاختبار الفكرة بقدر ما تُستخدم لإضفاء صلابة شكلية عليها.
وتُنتقى الأرقام كما تُنتقى الكلمات، لتكوين لوحة شديدة الجاذبية، لكنها مجتزأة من سياق أوسع قد يحتوي على أدلة مزعجة، وربما مدمرة، للفرضية الأصلية.
ولا أعتقد أن هذه الظاهرة تنتج دائماً عن ضعف مهني أو نية سيئة.
في كثير من الأحيان، هي محاولة للهروب من التنافر المعرفي المؤسسي؛ ذلك الشعور المربك الذي يظهر عندما تصطدم الخطط الطموحة بواقع أكثر تعقيداً وأقل تعاوناً.
فتُبنى منطقة راحة فكرية محصنة بالأرقام، لكنها في العمق محصنة ضد النقد الحقيقي.
لذلك، فإن خطورة هذه الممارسة لا تكمن في الجهل، بل في وهم اليقين.
فالاستراتيجيات التي تحذف المحركات والدوافع المضادة من نقاشها تصنع واقعاً موازياً يسهل اعتماده، لكنه ينهار سريعاً عند أول احتكاك جدي بالواقع.
الحقائق التي نتجاهلها داخل القاعات لا تختفي خارجها؛ إنها تكبر بصمت حتى تصبح قوة لا يمكن إنكارها.
من هنا، فإن التحصين الحقيقي للقرارات الاستراتيجية يتطلب الانتقال من ثقافة إثبات صلاحية الفرضية إلى ثقافة اختبار صمودها.
نحتاج إلى مأسسة النقد، وإلى فرق حمراء تكشف الفجوات، وإلى تحليل ما قبل الفشل يسألنا مبكراً: ماذا لو كنا مخطئين؟فالقيمة الحقيقية للكفاءة الاستراتيجية لا تقاس بنظافة الجداول وجاذبية العروض التقديمية أمام القيادات، بل بشجاعة المنظومة على التحديق في الحقائق المزعجة قبل أن يجبرها الواقع على سماعها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك