يزداد القلق الحقوقي في المغرب من استمرار المآسي المرتبطة بالهجرة السرية التي تحصد أرواح مزيد من الشبان الأفارقة الذين يدفعهم اليأس وانسداد الأفق إلى خوض مغامرات محفوفة بالمخاطر من أجل بلوغ" الفردوس الأوروبي".
وعادت مآسي الهجرة السرية إلى الواجهة بعدما كشف فرع مدينة وجدة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أكبر تنظيم حقوقي مستقل في المغرب، وفاة 26 مهاجراً من دول أفريقيا جنوب الصحراء في المنطقة الشرقية المحاذية للحدود مع الجزائر، من بينهم امرأة وطفل لم يتجاوز عمره ثلاث سنوات، وذلك خلال الفترة الممتدة بين يناير/ كانون الثاني وإبريل/ نيسان الماضيين.
وتعرفت السلطات إلى هويات أربع ضحايا حتى الآن.
وأوضحت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن جثث الضحايا عثر عليها في مناطق متفرقة، من بينها 15 في منطقة رأس عصفور بمدينة تويسيت التابعة لإقليم جرادة (شرق)، و11 في إقليم فجيج (شرق)، من بينها ست في عين الشعير وخمس في بوعرفة، ورجحت أن تكون الظروف المناخية القاسية، التي تميزت بانخفاض درجات الحرارة وتساقط الأمطار والثلوج خلال الشتاء من بين العوامل التي ساهمت في الوفيات، في ظل غياب معطيات رسمية تحدد أسبابها بدقة.
ويضاف إلى هذه الحصيلة 21 مهاجراً توفوا في منطقة رأس عصفور بين 27 نوفمبر/ تشرين الثاني و31 ديسمبر/ كانون الأول 2025.
وهكذا بلغ نحو 47 عدد المهاجرين المتحدرين من أفريقيا جنوب الصحراء الذين توفوا في المنطقة الشرقية بين نوفمبر وإبريل، من بينهم ثلاث نساء وطفل، في حين توفي 36 في منطقة رأس عصفور وحدها.
واعتبرت الجمعية أن" هذا العدد الكبير من الضحايا خلال فترة لا تتجاوز خمسة أشهر، يطرح أسئلة بشأن مسؤولية الدولة المغربية والمجتمع الدولي، خصوصاً الدول الأوروبية"، وانتقدت تشديد سياسات مراقبة الحدود وما يرافقها من مخاطر تدفع المهاجرين إلى سلوك مسارات غير آمنة.
وطالبت الجمعية بتنفيذ توصيات اللجنة الأممية المعنية بحقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، ودعت إلى نشر المعطيات التي تحدد أسباب هذه الوفيات.
ويُعتبر المغرب محطة استقرار مؤقتة للعديد من المهاجرين الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء، والذين قد يبقون أكثر من سنتين في أراضيه، بحسب دراسة أنجزتها الجمعية المغربية للدراسات والبحوث حول الهجرة بالتعاون مع اللجنة الدولية من أجل تنمية الشعوب.
وتعليقاً على حصيلة الوفيات في صفوف المهاجرين الأفارقة الحالمين بالوصول إلى الفردوس الأوروبي، يُبدي رئيس مرصد التواصل والهجرة في أمستردام جمال الدين ريان قلقه البالغ من" الأرقام المفجعة التي لا يمكن اعتبارها مجرد إحصاءات عابرة، بل مأساة إنسانية متجددة تُحاكي مباشرة ضميرنا المشترك والالتزامات الدولية والإقليمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان والمهاجرين".
يتابع: " نحن أمام وضع حدودي بالغ التعقيد يدفع ثمنه الأفراد الأكثر هشاشة، خصوصاً النساء والقاصرين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة ظروف طبيعية وإنسانية قاسية وقاهرة أثناء عبورهم، لذا نؤكد ضرورة إحداث آليات إغاثة حدودية عاجلة، إذ ليس مقبولاً الاكتفاء بالمقاربات الأمنية الصرفة، فالحاجة ملحة لإرساء آليات ميدانية مرنة ومستدامة للإغاثة الإنسانية على طول الشريط الحدودي".
ويؤكد ضرورة توفير الدعم الثلاثي الأبعاد (طبي، قانوني، ونفسي)، ويُطالب بتمكين المهاجرين والوافدين عبر المعابر الحدودية من الوصول الحقيقي والسريع إلى الرعاية الطبية المستعجلة والمواكبة النفسية من أجل تجاوز صدمات رحلات اللجوء والعبور، وأيضاً توفير الدعم القانوني الذي يضمن احترام حقوقهم الإنسانية الأساسية.
كما يُشدد ريان على ضرورة إيلاء عناية خاصة واستثنائية بالقاصرين بلا مرافقين والنساء عبر تفعيل قنوات حماية اجتماعية تنسجم مع القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، ويؤكد أن" إنقاذ الأرواح البشرية يجب أن يوضع فوق أي اعتبار.
وإذ ندق ناقوس الخطر ندعو كافة المعنيين من سلطات ومنظمات حقوقية ومجتمع مدني إلى أن تتضافر جهودهم لابتكار مقاربة إنسانية شجاعة تحمي الحق في الحياة وتصون كرامة المهاجرين، مهما كانت أوضاعهم القانونية".
بدوره، يبدي رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان (غير حكومية)، إدريس السدراوي قلقه الشديد من وفاة 26 مهاجراً من دول أفريقيا جنوب الصحراء خلال خمسة أشهر فقط، ويصفها بأنها" مأساة إنسانية تعكس خطورة الأوضاع السائدة في المنطقة"، ويقول لـ" العربي الجديد": " فاقم استمرار إغلاق الحدود واعتماد السلطات الجزائرية المقاربة الأمنية والقبضة الحديدية معاناة المهاجرين ودفعهم نحو مسارات خطيرة ومميتة.
ونبدي قلقنا من أوضاع مئات المهاجرين المغاربة داخل الجزائر بين السجون والمصير المجهول".
ويؤكد أن" القضاء على الهجرة السرية لا يمكن أن يحصل عبر الحلول الأمنية، بل عبر معالجة أسبابها الحقيقية، وعلى رأسها الفقر وغياب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وانتشار النزاعات والحركات الانفصالية وعدم الاستقرار.
كما نحمّل أوروبا جزءاً من المسؤولية التاريخية والسياسية، باعتبار أن دعمها بعض الأنظمة الديكتاتورية واستنزاف ثروات أفريقيا ساهما مباشرة في تعميق الفقر واليأس ودفعا آلاف الشباب نحو الهجرة والموت على الحدود".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك