أعلنت منظّمة حظر الأسلحة الكيميائية، في تقرير أصدرته في 27 مايو/ أيار الحالي، اكتشافاً يمثل خطوة نوعية في إغلاق ملف البرنامج الكيميائي السوري الذي طالما شكّل مصدر قلق دولي، حيث تمكّن فريق خبراء المنظمة، بدعم من السلطات السورية الانتقالية، من العثور على عشرات الذخائر الكيميائية غير المعلنة سابقاً، بما في ذلك قنابل جوية وصواريخ، في مناطق محيط اللاذقية وحماة وحمص، ولم تكن هذه الاكتشافات مجرّد بقايا مهترئة، بل هي دليل مادي على حجم البرنامج السرّي الضخم الذي طوره الأسد عقوداً.
بدأ برنامج سورية للسلاح الكيميائي في السبعينيات بدعم من مصر والاتحاد السوفييتي، وتطور ليصبح من أكبر البرامج في الشرق الأوسط، وقد شمل المخزون غاز الخردل (الخردل الكبريتي) وغازات الأعصاب مثل السارين، بالإضافة إلى معدّات تسليحية عبر قنابل جوية وصواريخ.
وقد استثمر نظام الأسد في برنامجه الكيميائي أكثر من مرّة، والواقعة الأبرز كانت عندما قايض بشّار العالم على بقائه، فكشف عن جزء من برنامجه الكيميائي، واستطاع، بوساطة روسية، الحفاظ على وجوده في القصر، بعدما أوشك الرئيس الأميركي أوباما عام 2013 على شن هجوم عليه، لكن ما أوقف الهجوم تسليم الأسد جزءاً من هذا السلاح، والسماح لبعض خبراء المنظمة الدولية بزيارة بعض المواقع.
كان الأسد قبلها قد لجأ إلى ذراعه الكيميائية في غوطة دمشق، فاستخدم الحل السهل عسكريّاً، ووجه مقذوفاته نحو المدنيين، بحيث يهرع المقاتلون لتفقد ذويهم، فيسهل على قوات النظام التقدّم في ظل الارتباك الذي يخلقه الجو المليء بالكيمياء المنتشرة.
لم يستخدم النظام أسلحته الفتاكة من موقع الهواة، فقد بينت نتائج القصف أنه كان خبيراً في أسلوب الإطلاق والتحكم واختيار المواد التي شملت طيفاً واسعاً من الغازات الخانقة والأبخرة التي تهاجم الأجهزة الحيوية للإنسان، وتُحدث أعراضاً مرعبة، تثير الذعر فيمن بقي على قيد الحياة.
رغم خطوة التراجع التي أبداها الأسد بإعلان انضمام سورية إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، إلا أنه، لا النظام الدولي ولا الدول الراعية والعرابون ردعوه، فكان اللجوء إلى الكيمياء خياراً لم يتخلّ عنه كلياً، وقد استمرّت المنظمات الدولية في توثيق استخدامه المتكرر الأسلحة الكيميائية، مثل هجمات اللطامنة وخان شيخون عام 2017، وقد استخدمت فيهما قنابل جوية من النوع نفسه الذي عُثر عليه الأسبوع الماضي.
بعد سقوط الأسد، تعهدت الحكومة الانتقالية بالتعاون الكامل مع المجتمع الدولي.
وفي مايو/ أيار، نشرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية فريقاً للتحقّق من المواقع بدقة، عثر على عشرات الذخائر الكيميائية غير المعلنة ومواد ومعدّات لها صلة بالسلاح الكيميائي.
أثنى المراقبون على تعاون السلطات السورية الجديدة الذي يمثل تحوّلاً جذرياً مقارنة بحالة العرقلة التي كان النظام السابق ينتهجها.
وأشاد المبعوث الأميركي توم برّاك بهذا التقدّم، باعتباره" محطّة مهمة" في مسار سورية نحو الاستقرار، وكانت قوات الأمن العام قد اعتقلت في الشهر الأخير 18 شخصاً، منهم ضبّاط برتبة لواء، مشتبه بتورّطهم في برنامج السلاح الكيماوي، لتعكس جدّية التوجه نحو المساءلة في هذه القضية.
يرفع هذا التحرّك مستوى اندماج الدولة الجديدة بالمجتمع الدولي، ويبدو ضرورياً باعتبار أن الذخائر غير المؤمنة تشكل خطراً حقيقياً، سواء من حيث إمكانية التسريب أو وقوعها في أيدي جماعاتٍ متطرّفة، بالإضافة إلى الشعور بتحقيق جزء من العدالة لآلاف الضحايا في تلك الهجمات.
لا يزال الطريق طويلاً، حيث تشير التقارير إلى وجود محتمل لكميّات كبيرة من المواد والذخائر غير المكتشفة بعد، وتواجه سورية تحديات أمنية ولوجستية في الوصول إلى كل المواقع، بالإضافة إلى الحاجة لتمويل دولي كبير لدعم عمليات التدمير الآمن.
رغم هذا، يمكن اعتبار الاكتشاف المعلن أخيراً بمثابة بداية النهاية لإرث وحشي استمر عقوداً مريرة، وهو خطوة نحو تسكين ذاكرة أليمة وفتح صفحة جديدةٍ مبنيةٍ على أساس السلم والتنمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك