قال مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والشرق أوسطية، إنه أجرى أمس السبت أربع مكالمات منفصلة مع مسؤولين ليبيين، شملت رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ونائب ما يُعرف بـ" القائد العام للجيش الوطني الليبي" صدام حفتر، ونائب وزير الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية عبد السلام الزوبي، والمدير العام لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر.
وأوضح بولس، في تدوينة نشرها عبر حسابه الرسمي بمنصة إكس، أنه ناقش معهم" أهمية المصالحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات الليبية، وتعزيز السلام والديمقراطية والاستقرار في جميع أنحاء ليبيا"، مضيفًا أن النقاشات أكدت ضرورة أن يُبنى مستقبل ليبيا عبر" عملية سياسية شاملة تعكس تطلعات جميع المناطق والمجتمعات، وتجمع الأطراف السياسية في شراكة حقيقية"، مشيرًا إلى أهمية تعزيز الوحدة الوطنية وتقوية مؤسسات الدولة وضمان مشاركة جميع الليبيين في رسم مستقبل بلادهم.
وأكد بولس أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة دعم الشعب الليبي في مساعيه نحو السلام والوحدة والحكم الديمقراطي والازدهار، معربًا عن تطلع واشنطن إلى مواصلة العمل مع الليبيين من أجل تعزيز المصالح المشتركة بين البلدين.
وتُبرز هذه الاتصالات تطورًا ملحوظًا في طبيعة الانخراط الأميركي في الملف الليبي، إذ تمثل المرة الأولى التي يوسع فيها بولس دائرة تواصله المباشر إلى أربعة مسؤولين ليبيين من معسكري الشرق والغرب منذ توليه متابعة الملف الليبي في يوليو من العام الماضي.
فعلى مدى الأشهر الماضية، اقتصر تواصله على شخصيتين رئيسيتين من الطرفين، هما إبراهيم الدبيبة، المستشار الأمني لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، وصدام حفتر بصفته نائبًا لوالده، إذ نسق اجتماعات مباشرة بينهما في روما خلال سبتمبر الماضي، ثم في باريس خلال يناير من العام الجاري.
وانتهت تلك الاجتماعات التي أشرف عليها بولس بين الدبيبة وصدام إلى خطوات عملية اعتُبرت من أبرز مظاهر التقارب بين المؤسسات المنقسمة في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ففي منتصف إبريل الماضي، شهدت مدينة سرت مشاركة تشكيلات عسكرية تمثل الطرفين في" تمرين فلينتلوك 2026 العسكري" الذي نظمته القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا" أفريكوم"، وفي العاشر من الشهر ذاته وقع الطرفان اتفاقًا لتوحيد ميزانية الدولة المنقسمة منذ سنوات طويلة، واعتُبرت الخطوتان الأوليان من نوعهما مؤشرًا على إمكانية الدفع نحو مسار تدريجي لتوحيد المؤسسات الليبية، ما منح جهود بولس زخمًا إضافيًا باعتبار نجاحه في تحقيق اختراقات عملية في الملفين، العسكري والاقتصادي.
وإن كانت الشخصيات الجديدة التي أضافها بولس إلى دائرة اتصالاته، مثل عبد السلام الزوبي وبلقاسم حفتر، تحمل هي الأخرى طابعًا عسكريًا واقتصاديًا، إلا أن ما يميز تدوينته الأخيرة هو حديثه للمرة الأولى عن" عملية سياسية شاملة"، في إشارة إلى البناء التدريجي الذي أنتجته ترقية الاتصالات بين الطرفين من المجالين العسكري والاقتصادي باعتبارهما أداتين لبناء الثقة، إلى الانخراط بصورة أكبر في المسار السياسي الأوسع، مع إشراك شخصيات جديدة من دوائر القرار داخل المعسكرين، الشرقي والغربي.
ومن اللافت في تدوينة بولس غياب أي إشارة إلى الانتخابات، سواء الرئاسية أو البرلمانية، التي تُعد القضية المحورية في جميع المبادرات الدولية السابقة الرامية إلى تجديد الشرعية السياسية للمؤسسات الليبية.
فقد ركز بولس في حديثه على المصالحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات، وتعزيز الاستقرار، والشراكة السياسية، دون أن يربط هذه الأهداف بأي استحقاق انتخابي.
ومنذ وصول مقاربة بولس إلى مرحلة جمع طرفي البلاد على الصعيدين العسكري والاقتصادي، ثارت تساؤلات عن مدى تعارض المقاربة الأميركية مع خريطة الحل السياسي التي تقودها البعثة الأممية في ليبيا أو تماهيها معها، ولا سيما أن البعثة غيرت من شكل تعاطيها مع الأزمة الليبية، إذ استحدثت، عقب نجاح بولس في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، آلية جديدة للحوار بين الليبيين أطلقت عليها اسم" الطاولة المصغرة".
واعتمدت البعثة في هذه الآلية على شخصيات من معسكري البلاد تمثل طرفي الدبيبة وحفتر، وأضافت إليها شخصيتين عن كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، لمناقشة العقبات التي اعترضت المجلسين في إنجاز الخطوة الأولى المتصلة بالانتخابات ضمن الخريطة الأممية، والمتمثلة بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية.
وعقدت البعثة أولى جلسات هذه الطاولة في روما يوم 29 إبريل، وانتهت باتفاق المجتمعين على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ثم عقدت جلسة ثانية في تونس يوم 12 مايو، بدأ المشاركون خلالها مناقشة ملف تعديل القوانين الانتخابية، مع الاتفاق على مواصلة بحثه في جلسات لاحقة.
ويرى مراقبون أن المسارين، الأميركي والأممي، يتقاربان في ضرورة العمل المباشر مع الأطراف الأساسية للأزمة الليبية وبناء توافقات بينها، باعتبار ذلك المدخل الوحيد لأي تسوية مستدامة، إلا أنهما يفترقان في الأدوات.
فبينما تعوّل المقاربة الأميركية على بناء سياسي تدريجي لسلطة موحدة انطلاقًا من الأطراف الرئيسية القائمة حاليًا، تذهب البعثة الأممية إلى أن الانتخابات تمثل المدخل الضروري لتجديد الشرعية للمؤسسات الليبية وإعادة تشكيل المشهد السياسي.
وبالتوازي مع آلية" الطاولة المصغرة"، تواصل البعثة الأممية الإشراف على أعمال خريطتها السياسية التي تتضمن أيضًا خطوة أخرى تتمثل بـ" الحوار المهيكل"، بمشاركة 120 شخصية ليبية من مختلف الأطياف السياسية والمجتمعية، بهدف صياغة توصيات تسهم في تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ومعالجة التحديات الجوهرية في أربعة مسارات هي: الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية.
وأخيرًا، أعلنت البعثة انتهاء أعمال مجموعات الحوكمة والمصالحة والاقتصاد، واستعدادها لصياغة توصياتها النهائية، تمهيدًا لإعلانها خلال شهر يونيو المقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك