في مواجهة مع الشاعر البحريني القدير قاسم حداد، يجد المحاور نفسه أمام نمط مغاير تماماً من الحوار، ليس لقِصر الإجابات بل لكثافتها الشديدة التي تختزل مسافات شاسعة من التفكير، فبينما كان حداد في حوار قديم يعود لعام ألفين وإحدى عشر يسهب في تفكيك الأسئلة ويفتحها على آفاق متشعبة، جاءت كلماته هذه المرة مقتضبة، تميل إلى التوقف المبكر وكأن الشاعر الذي أمضى حياته يطارد المعنى بات يكتفي بالإشارة إليه ليتحرك وحده في ذهن القارئ.
هذا الأثر الذي يتركه الزمن على الأصوات الشعرية الطويلة يخفف فائض الشرح، لكنه يبقي على جوهر الشاعر المشاكس المنحاز للحرية، والشاك في اليقين، والقلق من الأجوبة الجاهزة.
وتتحول تلك الإجابات القصيرة وصمتها المحيط بها إلى مساحة ناطقة لا تقل حضوراً عما كُتب، لأن بعض المبدعين يصلون إلى مرحلة يكفون فيها عن الإطالة، ببساطة لأنهم قالوا كل شيء على مدار أعمارهم.
وفي حوار مع صحيفة عُمان، قال إن عند إعادة قراءة مفهوم الخذلان في ظل الأزمات المتلاحقة والخيبات التي تحولت إلى حالة عامة، ويرى أن الخذلان يصارع الواقع كونه الشيء الوحيد الذي يتقنه هذا الواقع، فهو خذلان كامل في العالم ولأجله، لا يكتمل إلا بالموت، معتبراً الإنسان بمثابة الخسارة الدائمة في الحياة، بينما يظل الشعر وحده القادر بطريقته الخاصة على إنقاذ صاحبه من السقوط في وهم النجاح أو هذا الخذلان المطبق.
هذا الإنقاذ يتوازى مع فهمه للكتابة التي لا يراها فعل حماية ذاتية مسبق بل مواجهة دائمة وضارية مع واقع متجاهل يقف ضد الكاتب وضد أمانه، لتصبح النتيجة الحتمية أن الشيء الوحيد الذي يحمي المبدع في نهاية المطاف هو فعل الكتابة نفسه.
وفي مسار هذه المواجهة، يعترف حداد بأنه لم يدرك بعد، ولا يريد أن يدرك، فكرة أن دور الشاعر يتلخص في الإصغاء لما تفرضه اللغة من مسارات، بل يرى نفسه شخصاً يحب طاعة النص واتباعه أثناء الكتابة، معيداً التأكيد على رؤية قديمة له بأن النص هو السيد الذي يقبل أولاً، بينما تأتي الكتابة كعبد يتبعه.
هذه العلاقة الملتبسة تمتد إلى التراث العربي الذي يعيش معه حالة شد وجذب مستمرة كسجال مشوق، مستشهداً بعبارة طريفة للشاعر محمد الماغوط حين سئل عن العودة للتراث فرفضها متسائلاً كيف يعود إليه وهو لا يحب العودة لبيته، لكن حداد يوازن هذا النفور بوعي عميق بأهمية التاريخ، مستنداً إلى المثل المصري البليغ الذي يؤكد أن من يفرط في قديمه يضيع في المتاهة.
ويحتل الجسد مركز الصدارة والعناية الأدبية في نصوص حداد، حيث يرفض تماماً تحويله إلى هامش، مؤكداً أن الشعر يموت فوراً إذا لم يكن قابلاً للتأويل والجدل، فالقصيدة الحقيقية لا يجدر بها أن تموت بعد القراءة، وما يقال فيها يظل قاصراً ما لم يلتقِ بقارئ سجالي يملك القدرة على الشك والمناقضة والمساءلة.
هذا التكافؤ ينسحب أيضاً على تجاربه المشتركة مع الفن التشكيلي، حيث لا يبحث عن سيطرة النص أو تفكيكه لصالح فنون أخرى، بل ينظر إلى الأمر كعمل مشترك تتوزع فيه القوى بالتساوي دون الدخول في صراع بين الفنون.
وفي سياق التماهي الكامل بين الذات والقصيدة، يوضح الشاعر ببساطة أن الشعر هو حياته، وأن كل ما يخصه من آلام وسنوات ومجموعات شعرية بذلها عبر العمر يملكها الشعر والعكس صحيح.
هذا التداخل الحميم لا ينفصل عن الشق السياسي والواقعي، حيث يظل موقفه الثابت والعلني مبنياً على مساءلة السلطة حول مبرر وجودها رغم إدراكها لرفض الشعب لها، وهو أمر يتأكد منه الناس يوماً بعد يوم، معتبراً أن الحديث عن انفصال الشعر عن شروط السياسة بعد كل هذا الزمن والجراح أصبح أمراً عبثياً.
ويختتم حداد نظشته المتفائلة تجاه الأدوات التعبيرية بالدفاع عن اللغة العربية، نافياً عنها تهمة التآكل في العصر الحديث، بل يرى أن الشعراء هم من يتآكلون، فاللغة التي تعيش منذ آلاف السنين تزدهر وتتألق كلما تطور الشعر وتعمق التجريب فيه، مؤكداً بثقة أن كل شيء سيبقى حياً مع اللغة في نهاية المطاف.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك