بعد صناعة العديد من الأزمات السياسيَّة والحروب التي تصوَّت ـ من وجهة نظري ـ أنها جزء من فكرة استعادة القوة والهيبة الأميركيَّة (المركزيَّة)، والاندفاعيَّة غير المسبوقة بلُغة رعاة البقر، وليِّ الذراع وتهديد الأنظمة السياسيَّة وخطف رؤساء الدول والسعي لاحتلال دول أخرى، والدعوة الصريحة والمباشرة للقوى الكبرى بقرصنة النفط في مضيق هرمز، وتقسيم العالم إلى مَن هم معه ومع مصالحه، ومَن هم ضده لأنهم لا ينقادون خلفه ولمصالحه.
يستمر الرئيس الأميركي ترامب في إضافة المزيد من الألوان الرماديَّة والسوداء إلى الصورة الذهنيَّة للولايات المتحدة الأميركيَّة في عهده، ويستمر في رسم الملامح الرئاسيَّة لإدارته وكيف سيذكره العالم، بمعنى آخر: سيرته الذاتيَّة في سياق رؤساء الولايات المتحدة الأميركيَّة، حيث يفتتح بتاريخ الـ(14) من يونيو 2026م حلبة مصارعة في البيت الأبيض.
(فنون قتاليَّة)، هذا الحدث الذي يُقام ضمن احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى الـ(250) لإعلان الاستقلال، وبالتزامن مع عيد ميلاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الـ(80).
حقيقةً، لا أعرف كيف أصف هذا الأمر؟ ! وهل هو أمر جيد ويرسم صورة ذهنيَّة مبهرة وطيبة بالنسبة لتاريخ الولايات المتحدة الأميركيَّة الذي طالما تغنَّى بالعراقة وهيبة التاريخ لتوسيم الأُمَّة الأميركيَّة وتاريخها السياسي؟ والمؤسف أن تاريخ إقامة هذه المناسبة الرياضيَّة في ساحة البيت الأبيض يتصادف، وأتصور أن الأمر مقصود من قبل الرئيس الأميركي، مع ما يُسمَّى فكرة الامتياز التاريخي الذي تمسكت به الولايات المتحدة الأميركيَّة منذ عقود طويلة، أقصد الامتياز المجاني لدخول الحدائق الوطنيَّة بشكل مجاني في يومين وطنيين بذكرى الناشط السياسي مارتن لوثر كينج جونيور ونهاية العبوديَّة، والذي يصادف ذات التاريخ.
إذًا، الرئيس الأميركي ترامب يؤكد ـ وحتى على المستوى الداخلي ـ فكرة الأميركي الأبيض العنصري المُحب للأنا والتفرد، حيث «يرى منتقدون أن التغييرات التي طرأت على قائمة ما تسميه الإدارة «الأيَّام الوطنيَّة المجانيَّة» تهدف إلى رفع مكانة الرئيس والترويج له، مع التقليل من أهميَّة واحترام تاريخ الولايات المتحدة في مجال العبوديَّة ونضالها من أجل الحقوق المدنيَّة».
ولعلَّ ترامب يسعى إلى إخفاء تاريخ العبوديَّة في بلده على حساب العظمة (السرديَّة التاريخيَّة الجديدة) التي يحاول صياغتها ترامب في (8) سنوات على حساب أكثر من (400) عام من التاريخ.
وبالإضافة إلى ما سبق، فقد «ذكرت وزارة الداخليَّة الأميركيَّة في بيان لها أن الأيَّام الثمانية المجانيَّة للعام 2026 ستشمل عيد ميلاد ترامب في الـ(14) من يونيو، الذي يصادف أيضًا يوم العلم، حين اعتُمد العلم الأميركي عام 1777م»، أي أن عيد ميلاد ترامب سيواجه التاريخ الأميركي، ومؤكد أن الانقسام الداخلي سيكون واضحًا بين مَن سيحتفل بعيد الرئيس ومَن سيحتفل بيوم العلم الأميركي والتاريخ الأميركي، مع العلم، وفي سياق متصل، ستحتفل الولايات المتحدة الأميركيَّة بتاريخ الـ(4) من يوليو بالذكرى الـ(250) لاستقلالها.
على العموم، فإن الصورة الذهنيَّة للولايات المتحدة الأميركيَّة (العصر الذهبي) في عهد الرئيس ترامب أقرب إلى عصر شخصي منه إلى صورة الشخصيَّة التاريخيَّة للأُمَّة الأميركيَّة والتاريخ السياسي الأميركي، وأقرب إلى فكر الفرد منه إلى فكر الدولة.
ولعلَّ ما تبقى من فترة رئاسة الرئيس ترامب ستعكس المزيد من التصرفات السلوكيَّة الفرديَّة التي ستؤثر سلبًا على الصورة الذهنيَّة للولايات المتحدة الأميركيَّة في مواجهة العالم والداخل الأميركي.
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدوليةرئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك