لندن: عندما انفتحت أبواب المصعد مباشرة على الطابق العلوي من شقة فاخرة في شارع ستراند الشهير في لندن، كان عثمان العمير في الاستقبال بتواضع لافت.
الرجل ليس اسماً عابراً في الإعلام العربي، بل أحد عمالقته، ومؤسس صحيفة إيلاف ورئيس تحريرها الحالي.
ثمة ما يشبه الأسطورة التي تتشكل عادة حول محررين مخضرمين مثل العمير: قصص كثيرة، ومكالمات هاتفية شهيرة، ولقاءات مع ملوك ورؤساء، وعلاقات تمتد عبر عقود وقارات.
لقد أجرى مقابلات مع قادة عالميين، وناور وسط عواصف سياسية، وشهد أجيالاً من الإعلام العربي وهي تعيد اختراع نفسها.
كانت هذه المرة الثانية التي ألتقي فيها العمير في منزله.
في المرة الأولى، قبل 25 عاماً، كان قد أطلق لتوه أول موقع إخباري عربي مستقل على الإطلاق.
يومها، كان عدد قليل جداً من المؤسسات الإعلامية قد غامر بدخول تلك التكنولوجيا، فكيف بموقع باللغة العربية.
العاهل المغربي الملك الحسن الثاني والصحافي عثمان العمير.
أرشيف SRMG.
لفهم طريقة تفكير عثمان العمير، لا بد من العودة إلى بدايات مسيرته.
فهو لم يبدأ في التغطية السياسية أو كتابة الافتتاحيات، بل بدأ مراسلاً رياضياً شاباً.
وربما كان ذلك مؤشراً مبكراً إلى غريزته في التقاط الإيقاع والتوقيت.
من هناك بدأ صعوده السريع في الإعلام العربي، عبر الجزيرة والمجلة، ثم لاحقاً الشرق الأوسط، حيث أصبح واحداً من الشخصيات التحريرية التي طبعت الصحافة العربية العابرة للحدود، وهو دور أداه طوال 10 سنوات.
عثمان العمير يلتقي جاك شيراك، رئيس فرنسا من 1995 إلى 2007.
أرشيف SRMG.
ثم، في أوائل العقد الأول من الألفية، قال العمير: " بدأت أفكر: ماذا أفعل؟ ما الذي يمكنني فعله؟ "استعاد العمير هذه الذكرى وهو يحاول ترتيب شعره الرمادي الطويل والمنفوش، الذي صار جزءاً من صورته المألوفة.
كان ذلك في نحو عام 1995، وبعد فترة قصيرة في الإنتاج، حين عاد إلى نداء مهنته الحقيقي: الصحافة.
عثمان العمير مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.
صورة عرب نيوز.
قال العمير: " أعتقد أن إيلاف امتداد لتقاليد الصحافة، لأن هذا أمر مهم جداً.
لا يهم إن كنت ستنشر صحفاً ورقية أو عبر الإنترنت فقط، عليك أن تتبع ذلك التقليد والطريقة التي تسير بها الصحافة، وإلا أصبحت مثل X"، في إشارة إلى الشركة التي كانت تُعرف سابقاً باسم تويتر.
ثم أضاف: " كل شخص ينشر القصص فقط من دون لغة جيدة، من دون.
"، وأشار إلى صدره قبل أن ينطق الكلمة العربية: " روح".
أُطلقت إيلاف في 21 أيار (مايو) 2001، بوصفها أول موقع إخباري عربي يعمل باستقلال عن أي صحيفة تقليدية أو وسيلة بث، رغم أن كثيرين من أقرانه سخروا منه واستخفوا به.
جاء إطلاق الموقع في لحظة لافتة بالنسبة إلى صناعة الإعلام، إذ بدأ الناس يتقبلون الانتقال من الصحف إلى المواقع الإلكترونية، وكانوا لا يزالون يتعرفون إلى ما يمكن أن تقدمه لهم الشبكة العنكبوتية العالمية.
يبدو عام 2001 غير قابل للتعرف إليه إذا قورن بعالم اليوم المترابط، عالم التكنولوجيا المتقاطعة والاتصال الدائم.
ورغم أن الهواتف المحمولة كانت قد بدأت بالفعل تتغلغل في المجتمع، فإنها لم تكن آنذاك أكثر بقليل من أدوات اتصال، وفي أفضل الأحوال مشغلات موسيقى.
لكن منذ ولادة الهاتف الذكي، تبدلت تماماً الطريقة التي يستهلك بها الناس المحتوى، بما في ذلك الأخبار.
أصبحت الهواتف الذكية منصة الأخبار الرئيسية لكثير من أنحاء العالم، ولا سيما لدى الجمهور الأصغر سناً، فيما تفوقت المنصات الاجتماعية ومنصات الفيديو على عادات التلفزيون التقليدي والصحافة المطبوعة.
وربما لا يقارن ظهور الذكاء الاصطناعي في الإعلام الإخباري إلا بظهور وسائل التواصل الاجتماعي: سلاح ذو حدين قد يبدو مخيفاً في البداية، لكنه يمكن في النهاية أن يصبح أداة للصحافيين.
وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري، إلى اليسار، مع الصحافي عثمان العمير، إلى اليمين، ورئيس تحرير عرب نيوز فيصل عباس.
صورة الشرق الأوسط.
قال العمير: " الأمر يشبه أسماك القرش تماماً: إما أن تتكيف وتواصل السباحة، أو تتوقف وتموت".
وكما تتعامل الصحف ومحطات البث اليوم بحذر مع الذكاء الاصطناعي، أثار وصول الإنترنت في السابق مخاوف مشابهة.
وفي تلك اللحظة، قفز العمير قفزة إيمان شكلت مسار إيلاف، ولم تتوقف الصحيفة منذ ذلك الحين عن التطور.
قال العمير: " أنا أؤمن بالذكاء الاصطناعي، وسأستخدمه".
لكنه أضاف: " لكن عندما تكتب شيئاً، يجب أن تكون فيه روحك أنت"، وألا تتبع اللغة التي يستخدمها ChatGPT وغيره من روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي في كتابة مقالات لبعض الصحافيين.
في عام 2023، أطلقت إيلاف مذيعة تعمل بالذكاء الاصطناعي اسمها هلا الوردي، قبل فترة قصيرة من أن تحذو مواقع إخبارية أخرى حذوها.
قال العمير في ذلك الوقت: " نعم، هناك الجانب السيئ منه، وهو القصص الزائفة والصور الزائفة، لكن في المستقبل سيعتاد الناس عليه، وسيجدون الطريقة الصحيحة لاستخدامه".
يأتي سباق التتابع الراهن في التطورات التكنولوجية بعد حقبة أكثر تناظرية في الصحافة العربية، قادها العمير ومحررون مخضرمون آخرون، بينهم عبدالرحمن الراشد وخالد المعينا.
عثمان العمير يقرأ الشرق الأوسط في مقر الصحيفة في لندن، آب (أغسطس) 1997.
أرشيف SRMG.
وكان من بين الكبار محمد علي حافظ، الشخصية الإعلامية السعودية الرائدة التي أسست الشرق الأوسط وعرب نيوز إلى جانب شقيقه هشام في جدة في منتصف السبعينيات.
توفي محمد في 17 أيار (مايو)، ونعاه كثيرون في القطاع.
تذكره العمير بمحبة قائلاً: " محمد، بصراحة، عندما تتحدث عن الصحافة، كان واحداً من أعظم الصحافيين باللغة العربية".
وأضاف: " كان رجلاً عظيماً حقاً.
اختلفت معه بالفعل، وكان سعيداً جداً عندما غادرت الصحيفة"، لكنه حرص على أن تبقى بينهما علاقة مهنية صحية.
لطالما شدد العمير على أن دور رئيس التحرير أقل ارتباطاً بالتحرير وأكثر قرباً من دور المبرر.
ومع مرور الوقت، يرى هذا الموقع أكثر أهمية من أي وقت مضى في اختراق وابل المحتوى الإلكتروني والمعلومات المضللة.
قال العمير: " علينا أن نملك الحرية مع الإعلام الجديد.
في رأيي، ستحتاج بلدان كثيرة إلى التكيف من أجل منح الإعلام حريات صغيرة".
وأضاف: " أنت تحتاج إلى حرية الصحافة.
إذا لم تفعل ذلك، فسيذهب شخص ما ويفعل ذلك بنفسه على الإنترنت".
في هذا البورتريه، لا يظهر عثمان العمير بوصفه شاهداً على تحولات الصحافة العربية فحسب، بل بوصفه محرراً يرى أن بقاء الصحافة لا يتوقف على قدرتها على استخدام الأدوات الجديدة فقط، بل على احتفاظها بما يجعلها صحافة: اللغة، التقاليد المهنية، والروح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك