في الأسبوع الماضي، تجسدت نظرية الأمن القومي الحديثة لإسرائيل، التي يكمن في أساسها مكونان: أخذ أراض من العدو، مثلما تم تجسيد ذلك في إعلان نتنياهو بخصوص التقدم للسيطرة على 70 في المئة من القطاع واجتياز الليطاني، والى جانبها “القتل المتواصل للقيادة العليا للعدو، والتي تمثلت في تصفية اثنين من رؤساء الذراع العسكري لحماس في غزة خلال عشرة أيام، وشخصية رفيعة في سلاح المدفعية التابعة لحزب الله”.
ولكن هذه العمليات لا تغير الواقع، ومن باب الأولى لا تقرب هزيمة العدو.
حماس هي السيد الواضح في الأراضي الفلسطينية التي يعيش فيها الأغلبية المطلقة من سكان القطاع ولا يوجد في هذه اللحظة إشارات لتفكك الذراع العسكري أو لإبداء مرونة في قضية نزع السلاح.
في لبنان تظهر صورة مشابهة: حزب الله تعافى من الضربات غير المسبوقة التي تكبدها بصورة أسرع مما قدروه في إسرائيل، ويدير قتالاً عنيداً وتقريباً لا يتأثر من نقد لبناني داخلي ولا يخاف من حكومة بيروت.
يجب تحديد أهداف واضحة أو واقعيةالحملات الجارية تعكس نمطاً متكرراً وإشكالياً لم تبحثه الدولة، التي تشمئز منذ السابع من أكتوبر من تحليل إخفاقات الماضي، ولهذا فإنها تشهدها المرة تلو الأخرى.
بعد أن حققت نجاحات مبهرة في كل واحدة من الساحات، تقرر إسرائيل تكرارها دون أن تحدد أهدافاً واضحة او مدروسة.
الأمر الذي يسبب تعقيداً ويتحول إلى استنزاف يقلل من إنجازات الماضي ويخلق أضراراً أكثر من النفع.
لقد ظهرت أولى مظاهر ذلك في آذار 2025 عندما عادت إسرائيل إلى القتال العنيف مدة ستة أشهر في غزة انتهى – بأوامر من ترامب – بطريقة لم تكن مختلفة جوهرياً عما كان يمكن تحقيقه سابقاً.
فالإنجاز الوحيد الذي حققه مؤيدو موجة العودة إلى القتال هو “السيطرة على أراضٍ، الأمر الذي لم يضعف مكانة حماس.
والأهم أن هذا الإنجاز ليس مضموناً إلى الأبد، إذ يعتمد بشكل أساسي على موافقة الولايات المتحدة.
من جهة أخرى، تكبدت إسرائيل خسائر فادحة: فبالإضافة إلى عشرات الضحايا، تورطت في مشاريع فاشلة وعبثية، أبرزها صندوق غزة “جي.
اتش.
اف” وتطوير الميلشيات، وهكذا تضررت مكانتها الدولية بشدة.
حماس هي السيد الواضح في الأراضي الفلسطينية التي يعيش فيها الأغلبية المطلقة من سكان القطاع ولا يوجد في هذه اللحظة إشارات لتفكك الذراع العسكري أو لإبداء مرونة في قضية نزع السلاحيتطور تحد مشابه في إيران ولبنان، فالحملة في كلتا الساحتين كانت تشبه في البداية حرب الأيام الستة، لكنها تحولت إلى استنزاف مليء بعلامات الاستفهام.
في لبنان، جرت محاولة لتطبيق نموذج مشابه لعملية “الأسهم الشمالية” الناجحة التي وقعت في عام 2024؛ ولكن بعد ثلاثة أشهر وجدت إسرائيل نفسها تتمرغ في الوحل: تتكبد خسائر في حرب محبطة لا تتأثر من الكيلومترات التي تم احتلالها أو من تصفية أخرى تم تحقيقها، حيث يداها مكبلتان من قبل واشنطن في كل ما يتعلق بالهجمات شمال الليطاني.
في الخلفية يتزايد الخوف من انتهاء الحرب بظروف أسوأ من تلك التي كانت سائدة في بدايتها، لا سيما إذا ما قيدت حرية العمل ضد حزب الله كما كانت عليه الحال منذ عملية “أسهم الشمال” حين تعرض حزب الله لهجمات متواصلة ضد رد.
على صعيد إيران، لا بد من إجراء نقاش جاد معمق بعيد عن الشعارات والاعتبارات السياسية حول جدوى الحملة الأخيرة، إلى جانب كل الإنجازات التي حققتها.
قد يكون إخراج المواد المخصبة إنجازاً كبيراً، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلاً حول ما إذا كان من الممكن تحقيقه في المفاوضات (بما في ذلك من خلال اتفاقية 2015 التي أنجزها أوباما وألغاها ترامب)، وما الذي سيحدث بشأن قضية الصواريخ الباليستية التي اعتبرها نتنياهو تهديداً وجودياً، والتي من المشكوك إدراجها في الاتفاقية التي تجري صياغتها، فضلاً عن وكلاء إيران في الشرق الأوسط، ناهيك عن وهن تغيير النظام وتشجيع الثورة.
في الخلفية هنالك فهم آخر لا تدركه إسرائيل أو تخاف من طرحه باستقامة: فضاء العملية غير المسبوقة الحالية والتعاون الرائع مع الولايات المتحدة ينبعان بالأساس من جلوس ترامب في البيت الأبيض الآن.
ولكن يوجد جانب آخر للعملية: الرئيس الأمريكي تحول فعلياً إلى صاحب القول الفصل في ما يتعلق بإدارة وإنهاء معارك إسرائيل، ما يعزز صورة المرهون بواشنطن.
فضلا عن ذلك/ ترامب نفسه يمكنه تغيير رأيه بسرعة (وقد سبق أن فعل ذلك أكثر من مرة).
ومن المرجح ألا يتصرف من يخلفونه مثله، حيث تتدهور مكانة إسرائيل في نظر الجمهور الأمريكي.
الحرب نفسها والمختلطة بأوهام وتطلعات أيديولوجية (وخاصة بخصوص احتلال أراضٍ) تحولت إلى “استراتيجية” لإسرائيل منذ 7 أكتوبر.
دمج الإصرار على عدم التحقيق في الخطأ الأساسي لفشل 7 أكتوبر والاستخفاف بالمطالبة بخطاب انتقادي يضع إسرائيل في دوامة متواصلة من الأخطاء التي تتسبب بأضرار اقتصادية متزايدة، حتى وهي تظهر تفوقاً وتحقق إنجازات عسكرية.
أمام الشعار الذي استهدف تبرير معارك الاستنزاف القائل “يجب إنهاء العمل وتدمير العدو النازي هذه المرة”، يقف واقع يتضمن فهماً عميقاً بأنه لا يمكن “إبادة العدو”.
هذا إلى جانب اتفاقات سياسية يتم الدفع بها قدماً بأيدي ترامب، سواء كانت إسرائيل معنية بها أم لا، ومن المتوقع أن تتضمن ضغطاً للانسحاب من الأراضي التي احتلت في لبنان وسوريا وكذلك في غزة.
من المهم تحديد ما يعتبر إنجازاً استراتيجياً (وواقعياً) من وجهة نظر إسرائيل في الساحات الثلاثة: إخراج المواد المخصبة من إيران، وتطهير جنوب لبنان من تهديدات حزب الله، وسيطرة جهات غير حماس على محور فيلادلفيا، إلى جانب الحفاظ قدر الإمكان على مجال عملياتي في الساحة الشمالية وفي غزة.
هذا ليس حسماً، وسيكون مطلوباً مواصلة الاستعداد لمزيد من المواجهات في المستقبل، ولكن تحقيق هذه الإنجازات هو أفضل في هذه اللحظة من استنزاف مبني على وعد متآكل يقول طوال الوقت إننا نقترب من “النصر المطلق”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك