يري الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، أن الكوميديا لا تقوم على الفوضى المطلقة، بل على نظام خاص بها، فالضحك ينتج عندما نرى شخصيات أو مواقف تنحرف عن المألوف، لكن وفق قواعد ثابتة داخل العمل نفسه، كما أنها تتواجد حين يتحول الشخص إلي أسير لفكرة واحدة أو سلوك جامد يكرره بلا توقف، فتأتي الحياة لتضعه في مواقف تكشف هشاشة يقينه وتضعه أمام تناقضاته، من هذا التعريف وضع أحمد الزغبي وشيرين دياب السيناريو والحوار، والمخرج خالد دياب، الخطوط العريضة لشخصيات فيلم" برشامة" وكعادتهم يصنعون شخصياتهم جزء من الواقع علي بعض الخيال، كل شخص من أبطال الفيلم يحمل أفكارا متناقضة داخل مكان واحد، هذه الفكرة العامة تم طرحها قديما علي المسرح الكوميدي والقائمة أساسا علي التناقض، حيث يجبر مجموعة من الأشخاص علي التعايش، في هذا المكان الضيق وهو عبارة عن لجنة امتحان ثانوية عامة" منازل" تتحول إلي نموذج مصغر لشرائح من المجتمع، وحتي تكتمل الصورة ذهب بهم إلي جنوب مصر في الصعيد فهناك تكون الفرصة سانحة أكثر بعيدا عن الرقابة المتشددة في القاهرة، ويبني شخصياته بحرية أكثر، وداخل هذا المكان نري شخصية ابن العمدة الذي يعاني من مرض عقلي، ويرضخ لوالده حفاظا علي نفوذ عائلته، والسجين، والراقصة التي تسعي لتغيير صورتها الاجتماعية، والرجل الذي يردد عبارات الحلال والحرام ويرفض الغش بصورة مطلقة، بالإضافة إلي السيدة العجوز، بجانب شخصيات أخري ظهرت فقط بوجهها دون أن يسند إليها أي حوار، ومن خلال التنوع البشري يبدأ الصدام مع بعضها البعض، وتتحول إلي مختبر اجتماعي يكشف تناقضات البشر ويضع مبادئهم علي المحك، وهو ما يمنح الفيلم بعد أخر يتجاوز الكوميديا الخفيفة إلى محاولة لرصد جانب من التناقضات الكامنة داخل المجتمع نفسه.
الفيلم يدور حول أجواء الامتحانات والغش وضغوط الثانوية العامة في إطار ساخر، حيث يجد مجموعة من الأبطال محاصرون داخل سلسلة من المواقف العبثية المرتبطة بالامتحان وما يحيط به من فوضى اجتماعية وتعليمية، وعلي الرغم من المشاهد الطريفة والاعتماد علي المكان الواحد، فإن المشكلة الأساسية تكمن في انشغال البعض بإلقاء الإفيه بعيدا عن البناء الدرامي للشخصيات التي تبدو أقرب إلي نماذج رمزية منها إلي شخصيات مكتملة الأبعاد، مع محاولة المخرج ومن قبله الكاتبان في تكرار الإفيه، من خلال شخصية، " عبد الحميد" الذي جسدها هشام ماجد، الذي يمتلك خبرة في هذا النوع من الكوميديا القائمة علي الأداء الهاديء وردود الفعل أكثر من الانفعالات الصاخبة، بالإضافة إلي منحه لزملائه مساحات خاصة، نجح فيها مصطفي غريب الذي جسد شخصية" حليلة"، وشخصية حجاج الذي برع فيها حاتم صلاح، وريهام عبد الغفور، في شخصية" فاتن" الذي إجادت فيها، وعارفة عبد الرسول، وباسم سمرة، وكمال أبو رية مراقب اللجنة، وميشيل ميلاد في شخصية درديري، ومحمد أبو داود وغيرهم من الشخصيات.
منذ بداية المشاهد يكرر" عبد الحميد" رفضه التام للغش مع استمراره في قول مفردات الحلال والحرام، في مقابل شخصيات، ترفض أصراره منها السجين والراقصة وابن العمدة وآخرون يستغربون من تصرفه المبالغ فيه، من هنا تنطلق الكوميديا من المفارقة الأخلاقية، فالرجل يبدو واعظ داخل شخصيات لا تريد الاستماع إلي المواعظ فيتحول خطابه الجاد إلي مصدر للضحك، ليست في إطلاقه للإفيهات هشام ماجد بل في الفجوة ما يرفضه ويصر عليه ومحاولة إجباره وتغيير موقفه، لكن التحول يأتي في النهاية عندما يرضخ ويمنح ورقة إجابته للراقصة، في انهيار دائم ويتحول من واعظ إلي إنسان، وحتي لا يسقط البعض في ترديد عبارات من أن الفيلم يسخر من الدين أو من الحلال والحرام لكن ما يريده هو أظهار الإنسان علي أنه غير قادر دائما علي الالتزام بمبادئه بصورة مطلقة.
علي الرغم من أن الفيلم يطرح عدد من القضايا الاجتماعية المهمة، منها التعليم والسلطة والنظرة المجتمعية لبعض الفئات، لكن يكتفي صناع الفيلم بالضحك الآمن كعادة الكوميديا عندنا، وغيرها من الأعمال السينمائية، لذلك فيلم" برشامة" راح إلي أثارة الضحك عبر مجموعة من المفارقات والتناقضات لكن لم يستثمرها، واستسلم إلي صناعة فيلم كوميدي ينتهي أثره بعد الخروج من قاعة السينما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك