يواجه سوق النفط واقعًا جديدًا بعد الحرب مع إيران، يتمثل في عدم عودة الصادرات عبر مضيق هرمز إلى المستويات التي كانت تُعتبر طبيعية في السابق، إذ بات ملاك السفن مضطرين إلى موازنة مخاطر اندلاع القتال مجددًا بشكل مفاجئ في منطقة شديدة التقلب.
ومن المرجح أيضًا أن تتردد السفن التجارية الغربية في الإبحار عبر مضيق هرمز إذا ظل خاضعًا فعليًا لسيطرة إيران، خاصة إذا اضطرت إلى التنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، ما قد يعرضها لخطر انتهاك العقوبات الأمريكية، بحسب تقرير لشبكة" سي إن بي سي نيوز" الأمريكية.
ويمثل هذا السيناريو تحديًا يصعب التنبؤ بعواقبه بالنظر إلى الدور الحيوي الذي يلعبه مضيق هرمز في أسواق الطاقة العالمية، حيث لم تكن حرية الملاحة عبر المضيق محل تهديد من قبل، حتى أقدمت إيران فعليًا على إغلاق الممر البحري ردًا على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير.
وتسبب الحصار الإيراني على مضيق هرمز في أكبر اضطراب لإمدادات النفط في التاريخ، ما وضع ضغوطًا متزايدة على الولايات المتحدة لإبرام اتفاق مع تنامي المخاطر على الاقتصاد العالمي يومًا بعد يوم، ويبدو أن طهران عازمة على استغلال هذه الورقة لتعزيز سيطرتها على المضيق ضمن أي تسوية تنهي الحرب.
وقال آموس هوكستين، الذي شغل منصب مستشار بارز لشؤون الطاقة والأمن القومي لدى الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، إن قادة الشرق الأوسط يعتقدون أن إيران باتت تسيطر بالفعل على مضيق هرمز.
وأضاف هوكستين في مقابلة مع" سي إن بي سي": " بغض النظر عما سيحدث، فإن الإيرانيين سيسيطرون على مضيق هرمز في المستقبل المنظور.
ولا يهم حتى ما الذي سينص عليه الاتفاق.
الجميع في المنطقة يؤمن بذلك".
من جانبها، قالت هليما كروفت رئيسة استراتيجية السلع العالمية في" آر بي سي كابيتال ماركتس"، إن حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز قبل الحرب قد تمثل أعلى مستوى للعبور يمكن رؤيته خلال المستقبل المنظور.
وأضافت في مذكرة: " أي نهاية للصراع تترك إيران تمارس سيطرة تشغيلية ونفوذًا على المضيق ستؤدي، من وجهة نظرنا، إلى انخفاض ملموس في حجم التدفقات عبر هذا الممر المائي".
وتُظهر الأزمة التي أعاقت حركة السفن عبر البحر الأحمر كيف يمكن لعدم الاستقرار الجيوسياسي أن يعطل الممرات التجارية الحيوية لفترة أطول بكثير مما كان متوقعًا في البداية، حيث بدأ الحوثيون في اليمن، المتحالفون مع إيران، مهاجمة السفن التجارية في نوفمبر 2023 ردًا على الحرب الإسرائيلية في غزة، وبدأت الهجمات في 19 نوفمبر بخطف سفينة شحن، ثم تواصلت عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة لمدة عامين.
وانخفض عدد السفن اليومية العابرة لمضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، بأكثر من النصف من 75 سفينة في 19 نوفمبر 2023 إلى 31 سفينة بحلول 30 يناير 2024، وبعد أكثر من عامين، لا تزال حركة المرور عبر المضيق أقل من المستويات التي كانت تعتبر طبيعية سابقًا.
وقال تومر رانان، محلل مخاطر الملاحة البحرية في" لويدز ليست" للشحن البحري، إن أحد أهم الدروس المستفادة من أزمة البحر الأحمر هو أن" الأمر لا يتطلب أسطولًا بحريًا ضخمًا لإحداث اضطراب كبير في أحد الممرات البحرية الحيوية".
وأشار جاك كينيدي رئيس مخاطر دول الشرق الأوسط في" إس آند بي جلوبال ماركت إنتليجنس"، إلى أن الحوثيين لم يهاجموا أي سفينة في البحر الأحمر منذ نهاية العام الماضي، لكن ذلك لم يكن كافيًا لعودة حركة الملاحة إلى مستويات عام 2023.
وأضاف أن من غير الواضح ما إذا كان انهيار حركة المرور عبر مضيق هرمز سيستمر بالمدة نفسها التي شهدها البحر الأحمر، وسيتعين على ملاك السفن تقييم ما إذا كان أي اتفاق أمريكي إيراني، في حال تثبيته فعليًا، يوفر ضمانات أمنية كافية للسفن التجارية.
ويرى كينيدي أن وقف إطلاق النار الحالي مرجح أن يستمر في الوقت الراهن، لأن إدارة ترامب تبدو مركزة على زيادة وصول السفن التجارية عبر مضيق هرمز، مضيفًا أنه حتى لو وافقت إيران على فتح المضيق دون شروط تتعلق بالعبور، فمن المرجح أن يستغرق الأمر وقتًا طويلًا للعودة إلى مستويات حركة المرور السابقة للحرب، مشيرًا إلى مخاوف تتعلق بالسلامة مثل احتمال وجود ألغام زُرعت في المضيق.
كما حذر من وجود خطر كبير يتمثل في استئناف الحرب خلال العام المقبل ما لم يتم التوصل إلى حل دائم لبرنامجي إيران النووي والصاروخي الباليستي، موضحًا أن هذه القضايا كانت من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اندلاع الحرب، خصوصًا من منظور الأمن القومي الإسرائيلي.
وقال إن مشغلي السفن سيضطرون إلى تقدير ما إذا كانوا مستعدين للمخاطرة باحتجاز سفنهم وأصولهم على أحد جانبي المضيق لأشهر إذا اندلع القتال مجددًا.
لكن البحر الأحمر يختلف أيضًا عن مضيق هرمز في جوانب أساسية، بحسب رانان وكينيدي، فأحد أسباب استمرار انخفاض حركة المرور في البحر الأحمر هو أن السفن تستطيع الالتفاف حوله وتجنب المخاطر الأمنية عبر الإبحار حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، أما مضيق هرمز فهو نقطة اختناق حقيقية لا تملك بدائل مماثلة، كما أن أهمية هرمز لأسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير من أهمية البحر الأحمر، إذ كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
وفي غياب البدائل، قد يضطر قطاع الشحن إلى قبول والتكيف مع الظروف في مضيق هرمز بطريقة لم يضطر إليها في البحر الأحمر، ومع ذلك يسعى المصدرون في الشرق الأوسط إلى إيجاد مزيد من البدائل.
ويرى وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن أهمية مضيق هرمز بالنسبة لسوق الطاقة العالمية ستتراجع بعد الحرب، مع قيام دول الخليج مثل الإمارات ببناء مزيد من خطوط الأنابيب لتفادي الاعتماد عليه، مضيفًا: " هذه ورقة يمكن استخدامها مرة واحدة فقط.
ستظهر مسارات أخرى لخروج الطاقة من الخليج العربي"، وتابع: " سنشهد تراجعًا في أهمية مضيق هرمز، لكننا لن نشهد تراجعًا في أهمية إنتاج الطاقة وإمداداتها من تلك الدول".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك