لم تعد غزة تُقرأ بوصفها جرحاً مفتوحاً في جسد العدالة، بل كأرض فارغة في دفاتر المستثمرين.
لم تعد أسماء الشهداء تُكتب، بل تُمحى لتحلّ مكانها مصطلحات باردة من قبيل: التنمية، والازدهار، والفرص، والواجهات البحرية.
هكذا تتحول القضية من سؤال عدالة إلى مسألة جدوى، ومن مأساة إنسانية إلى معادلة ربح وخسارة.
وبقسوة محسوبة، تُنزع عن غزة صفتها بوصفها قضية شعب، وتُعاد صياغتها بوصفها مشروعاً استثمارياً.
هذه العملية لا تُدار في العلن، بل خلف اللغة نفسها.
تجري كما تُجرى الجراحة الباردة: مشرط نظيف، وقفازات معقمة، ولا دم على الطاولة.
لكن ما يُستأصل هنا ليس ورماً، بل الصوت.
وما يُترك ليس الحياة، بل الشكل القابل للعرض والتسويق.
اللغة، في هذا السياق، ليست بريئة.
فهي، مرة أخرى، في قلب المعركة.
وحين يُستبدل الحق بمفهوم الازدهار، نكون أمام انقلاب قيمي؛ فالحق غير قابل للمساومة، بينما الازدهار مشروط وانتقائي ومتاح لمن يقبل قواعد اللعبة.
عندها تصبح الحرية بنداً زائداً، ويغدو الاحتلال تفصيلاً إدارياً يمكن تجاوزه بخطة أعمال.
بقسوة محسوبة، تُنزع عن غزة صفتها بوصفها قضية شعب، وتُعاد صياغتها بوصفها مشروعاً استثمارياًيُعاد تعريف الفلسطيني بوصفه" مستفيداً محتملاً" لا صاحب حق.
يُنزع عنه موقعه كذات سياسية، ويُعاد إنتاجه كموضوع إداري.
وهذا التحول من الذات إلى الموضوع يمثل جوهر العنف الحديث؛ عنف لا يصرخ، بل ينظم.
لا يقتل الجسد مباشرة، بل يفرغه من معناه.
وهكذا تغدو الذاكرة عبئاً معرفياً، ويُنظر إلى الحق بوصفه عائقاً أمام" الحلول" المقترحة.
في هذه المقاربة، لا مكان للفلسطيني إلا بوصفه رقماً قابلاً للإزاحة.
لا ذكر للاسم، ولا للاجئ، ولا للأرض المسلوبة.
فغزة، في النص الجديد، ليست مدينة محاصرة، بل قطعة أرض" واعدة"؛ وليست مقبرة مفتوحة، بل" واجهة بحرية" جذابة.
وحتى الألم يُعاد تدويره ليصبح مادة ترويجية؛ فمن تحت الركام يمكن أن تولد الفنادق، ومن فوق المقابر يمكن أن تُبنى المشاريع الترفيهية.
ما يُقدَّم بوصفه براغماتية ليس سوى شكل من أشكال العنف الناعم؛ عنف لا يحتاج إلى دبابة، بل إلى قاموس.
عنف يمارس الإلغاء عبر الإغراء، ويستبدل القمع بالاستثمار، والرصاص بالوعود.
وحين تُسأل هذه الخطط عن الفلسطيني، تجيب بالصمت، وحين تُسأل عن فلسطين، تغيّر الموضوع.
يُعاد تعريف الفلسطيني بوصفه" مستفيداً محتملاً" لا صاحب حق.
يُنزع عنه موقعه كذات سياسية، ويُعاد إنتاجه كموضوع إداريلكن جوهر المشكلة لا يكمن في ما تقوله تلك الخطط، بل في ما تتجاهله عمداً: أن الشعوب لا تُشترى، وأن الحقوق لا تُستبدل بعقود، وأن الازدهار الذي يُبنى على إنكار الإنسان ليس ازدهاراً، بل شكلاً آخر من أشكال النهب.
فغزة ليست أرضاً بلا شعب، بل شعباً يُراد له أن يصبح بلا قضية.
في هذا الإطار، تُسحب غزة من التاريخ وتوضع في الحاضر التقني.
فلا تُفهم بوصفها نتيجة لمسار طويل من القهر والاقتلاع، بل كحالة طارئة تحتاج إلى إدارة.
وهذا النقل من التاريخ إلى التقنية يمثل شكلاً من أشكال الإقصاء؛ إذ تُنتزع القضية من سياقها السببي، وتُقدَّم بلا أصل وبلا مسؤولية سياسية أو أخلاقية.
السؤال هنا: لمن تُدار هذه العملية؟إنها تُدار لمصلحة أولئك الذين يملكون القدرة على تحويل الألم إلى بيانات، والحق إلى توصية، والإنسان إلى مورد.
أولئك الذين يقيمون في منطقة وسطى مريحة بين التعاطف وعدم الالتزام، وبين الاعتراف اللفظي وإنكار الفعل.
أما من يُقصى، فهو كل من يربط الحاضر بالماضي، والمستقبل بالحق.
يُقصى اللاجئ لأن وجوده يربك سردية الاكتفاء بالمكان الحالي، ويُقصى الشهيد لأن موته لا يمكن إدراجه في مؤشرات النمو، وتُقصى الذاكرة لأنها ترفض أن تُختزل في ملحق أو هامش.
في مهبّ هذا الاستثمار، يتكشف جوهر العملية: فهي ليست سعياً إلى حل، بقدر ما هي محاولة للتحييد؛ تحييد السؤال الأخلاقي، وتحييد الفاعل السياسي، وتحييد المعنى ذاته.
ومع ذلك، تقف غزة عارية من اللغة العادلة، لكنها لا تزال متمسكة بحقيقتها العنيدة: أنها ليست صفقة، ولا مشروعاً، ولا فرصة استثمارية.
إنها اختبار أخلاقي للعالم، وكل محاولة لتحويلها إلى عقار أو منتج اقتصادي ليست سوى اعتراف بالعجز عن مواجهتها بوصفها قضية حق وعدالة.
وفي نهاية هذا المسار، يتبين أن ما يُعرض على غزة ليس خلاصاً، بل إعادة تدوير للإنكار بصيغة أكثر أناقة.
فالقضية التي تُنتزع من سياقها الأخلاقي وتُعاد صياغتها بمنطق المنفعة تفقد اسمها، لكنها لا تفقد جرحها.
والاستثمار، حين ينفصل عن الحق، لا يعمّر بل يشرعن الغياب، ولا يصنع مستقبلاً بل يجمّد الظلم في قالب مقبول.
ستبقى غزة عصية على التحويل إلى مشروع، لأنها ليست فراغاً يُملأ، بل معنى يفضح كل محاولة لتجاوزه.
وبين العدالة والربح سيظل السؤال قائماً: أيّ عالم هذا الذي يحاول إنقاذ المدن بإنكار الإنسان؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك