عمان – لم يكن الجدل الذي أثارته عبارة" استحوا" في خطاب رسمي، مجرد نقاش لغوي عابر، بل كشف عن سؤال أعمق، يتعلق بحدود فاعلية التوبيخ الأخلاقي في معالجة مشكلات بيئية متجذرة في السلوك اليومي والخدمات العامة معاً.
اضافة اعلانفبين من رأى في العبارة دعوة مشروعة لتحمل المسؤولية الفردية، ومن اعتبرها تحميلًا للمواطن أعباء إخفاقات تراكمت على مستوى الإدارة والخدمات، عادت قضية الإلقاء العشوائي للنفايات، إلى واجهة النقاش العام، بوصفها اختباراً لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
جاء ذلك بالتزامن مع مرور خمسة أشهر على إطلاق الحكومة، برنامج الحد من الإلقاء العشوائي للنفايات، وهو البرنامج الذي استهدف تحسين المشهد البيئي، وتعزيز الالتزام بالقوانين الناظمة لإدارة النفايات.
غير أن النقاش الدائر حاليا، لا يقتصر على تقييم نتائج البرنامج بقدر ما يمتد إلى مراجعة الأدوات المستخدمة بتغيير السلوك العام، وما إذا كانت الرسائل القائمة على اللوم والعتاب، قادرة فعلاً على إحداث تحول مستدام في الممارسات اليومية، وفق خبراء ونواب.
هذه التساؤلات، تعيد فتح ملف قديم لطالما رافق حملات النظافة في الأردن؛ إذ تشير خبرات ومبادرات مجتمعية امتدت لأكثر من عقد، إلى أن الظاهرة لا ترتبط فقط بمدى وعي الأفراد، وإنما أيضاً بتفاوت إدراك لمفهوم النظافة العامة، ومستوى الثقة بالمؤسسات، وتوافر البنية التحتية والخدمات، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية التي تدفع قضايا البيئة إلى مراتب متأخرة في سلم الأولويات المعيشية، بحد قولهم.
وبين خطاب يطالب المواطنين بالالتزام، ومطالبات تدعو إلى تعزيز الرقابة والخدمات والإنفاذ العادل للقانون، تبرز الحاجة إلى قراءة أوسع لظاهرة الإلقاء العشوائي للنفايات، باعتبارها قضية سلوك وحوكمة في آن واحد، وفق تصريحات الخبراء.
وتعكف وزارة البيئة على إجراء تقييم شامل لكل ما نفذ من إجراءات لهذه اللحظة، قبل إطلاق تصريحات رسمية دون الاستناد على مؤشرات وأرقام واضحة، وفق ما أطلعت" الغد" عليه.
المعالجة في إطار سيادة القانونفمن وجهة نظر رئيس لجنة البيئة والمناخ النيابية جهاد عبوي، فإن قضية النظافة العامة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات، يجب أن تُعالج ضمن إطار سيادة القانون، وتنفيذ الإستراتيجيات الوطنية، والخطط التنفيذية المعتمدة، باعتبارها" مسؤولية مشتركة" بين المؤسسات الرسمية والمواطنين.
وشدد عبوي، على أن التشريعات النافذة حددت الحقوق والواجبات وآليات المساءلة، لذلك فإن المطلوب حاليا" تعزيز الامتثال لها، وتفعيل أدوات الرقابة والإنفاذ"، بما يحقق النتائج المرجوة على أرض الواقع.
ومن منظور رقابي، فإن دور لجنة البيئة والمناخ، ينصب على متابعة مدى التزام الجهات المعنية بتنفيذ الخطط والإستراتيجيات الوطنية ذات الصلة، وتقييم كفاءة الإجراءات المتخذة، ومدى انعكاسها على تحسين الواقع البيئي، وتعزيز السلوك المجتمعي الإيجابي، وقياس الأثر التشريعي ومدى تحقيق المطلوب منها، بحسبه.
وفي هذا الإطار، أكد عبوي على أن استخدام بعض العبارات أو المصطلحات قد" يثير تباينا" ً في ردود الفعل لدى الرأي العام بين مؤيد ومعارض، إلا أن المعيار الأهم في تقييم" فاعلية الخطاب"، لا يكمن في" حجم الجدل الذي يثيره"، وإنما في مدى وصول الرسالة إلى الفئة المستهدفة، و" قدرتها على إحداث تغيير سلوكي فعلي".
وهذا ما يمكن قياسه عبر مؤشرات الأداء، ونتائج تنفيذ الخطة الإستراتيجية الخاصة بالحد من الإلقاء العشوائي للنفايات، تبعا له.
عليه، فإنه يرى بأن جوهر التقييم يرتبط بمدى" تحقق الأثر" على أرض الواقع، وليس فقط بطبيعة" التفاعل الإعلامي أو الرأي العام".
من هنا، يبرز الدور الرقابي للجنة البيئة والمناخ في التحقق من مدى" فاعلية السياسات والخطط المعتمدة، باستخدام أدواتها" الدستورية والرقابية"، وبما يضمن قياس" مستوى الالتزام"، وتحقيق الأهداف المرسومة ضمن الإطار" المؤسسي والتشريعي النافذ"، كما أفاد.
وأكد عبوي أن الحفاظ على صورة الأردن الحضارية، ومكانته السياحية والبيئية، تتطلب استمرار العمل وفق نهج مؤسسي قائم على تطبيق التشريعات النافذة، وتعزيز التوعية البيئية، وتفعيل المساءلة، وتوحيد الجهود الرسمية والمجتمعية لتحقيق الأهداف التي أقرتها الإستراتيجيات الوطنية في هذا المجال.
وكانت اللجنة تابعت، ما جرى تداوله من صور ومشاهد، تُظهر تراكم النفايات في بعض الشوارع والمواقع العامة، عقب عدة فعاليات واحتفالات، معتبرة إياها مشاهد تستدعي الوقوف عندها" بجدية ومسؤولية".
واستندت في رأيها، وفق عبوي، على ما تحمله من دلالات تتجاوز مجرد وجود" مخلفات متناثرة" في المكان، لتطرح تساؤلات جوهرية حول مستوى الوعي البيئي، وثقافة المحافظة على الممتلكات العامة، ومدى إدراك الأفراد" لأهمية البيئة" باعتبارها" جزءاً أساسياً" من جودة الحياة والتنمية المستدامة.
وأكد أن الاحتفال بالمناسبات الوطنية والاجتماعية، حق مشروع ومظهر من مظاهر الفرح والانتماء للوطن، لكن هذا الانتماء لا يكتمل إلا بالحفاظ على نظافة الأماكن العامة واحترامها.
وفي هذا السياق، تدعو اللجنة، التي يترأسها عبوي، لإطلاق برامج توعوية مستمرة، تستهدف المجتمع، بخاصة فئة الشباب، لترسيخ مفاهيم المواطنة البيئية والسلوك المسؤول في التعامل مع النفايات والمرافق العامة.
وبناء على تقارير سابقة، نفذت في الأردن منذ العام 2010 وعن طريق مبادرة حملة" همة ولمة"، بهدف فهم سلوك المواطنين حيال الإلقاء العشوائي للنفايات، وخلصت إلى أن" غياب" المعايير والمقاييس والتصنيف لمفهوم النظافة على نحو عام، وتفاوتها من فرد إلى آخر، كان أبرز الأسباب لاتساعها، وفق رئيسة المبادرة لانا حمارنة.
وأضافت حمارنة، أن هناك من يعتقد بأن أعقاب السجائر، ولفائف الساندويشات الورقية، وكاسات القهوة الورقية، لا تصنف على أنها" نفايات"، وبالتالي فإن إلقاءها في الشوارع أمر" غير مستغرب"، مقابل آخرين يرون بأنها" مخلفات"، والتخلص منها يكون في الحاويات.
ومن بين الأسباب الأخرى، التي أوردتها: " اتساع فجوة الثقة" بين الأفراد والحكومات المتعاقبة، مع" تراجع نسب الانتماء" بسبب شعور المواطن بان الجهات المسؤولة الحكومية، لا تقدم الخدمات ضمن المستوى المطلوب.
ولفتت حمارنة إلى أن الأفراد يرغبون بإحداث تغييرات على الصعيد البيئي، لكنهم يلقون" بمسؤولية ذلك على الحكومة"، باعتبار أنها صاحبة الولاية بتطبيق القوانين والتشريعات.
ولعل الاهتمام بالشؤون المنزلية وتوفير لقمة العيش" يعد الهاجس الأكبر" لأرباب المنازل، بل وعلى رأس أولوياتهم.
كما أن الضغوط الاقتصادية تدفع بهم لـ" عدم الاكتراث" بقضايا البيئية والنظافة، في ظل عدم قيام الحكومة بتوفير أدنى متطلبات الحياة لهم.
وبناء على تلك الأسباب، فإن استخدام مفردات مثل" عيب" و" استحوا" سيثير" غضب" المواطنين، التي تعتبر بأن الحكومة" مقصرة" في توفير البنية التحتية لجمع المخلفات في مناطق المملكة كافة، برأيها.
مبينة أن لغة الخطاب قد ينتج عنها" سلوك عكسي لا يتسم بالإيجابية" المطلوبة للحد من الإلقاء العشوائي للنفايات.
وبشأن مدى نجاعة لغة الخطاب بتغيير سلوك الأفراد، فإن التجربة العملية حتى الآن، لا تشير إلى تحقيق" أثر جوهري ومستدام" بتعديل السلوك العام المرتبط بظاهرة الإلقاء العشوائي للنفايات، وفق رئيس اتحاد الجمعيات البيئية (الاتحاد النوعي) عمر الشوشان.
واستند الشوشان، على أن الأردن، ما يزال يشهد استمرار الممارسات ذاتها، في عدة مواقع عامة، ما يبين أن الإشكالية لا ترتبط فقط" بالخطاب المستخدم"، وإنما" بمنظومة أشمل" تتضمن التطبيق الفعلي للقانون، وتوافر البنية التحتية والخدمات، ومستوى الالتزام المؤسسي في" الرقابة والإنفاذ".
ومن حيث المبدأ، وبحسبه، فإن الخطاب التوعوي الأكثر فاعلية، يقوم على" المهنية والوضوح والاتساق مع التشريعات النافذة"، بعيداً عن" العبارات الانفعالية أو التوبيخية" التي قد تثير" الجدل" دون أن تسهم فعلياً بـ" تغيير السلوك".
وأشار الشوشان، إلى أن المخالف لا يتأثر بالخطاب بقدر تأثره بوجود نظام" رقابي فعال"، وتطبيق" عادل وحازم للقانون"، وتوافر بيئة خدمية تسهل" الالتزام ولا تعيق الالتزام به".
مجملا الإجراءات المثلى للتعامل مع هذه الظاهرة بتعزيز الرقابة الميدانية، وتفعيل أدوات الردع القانوني، وتوسيع نطاق التوعية المستندة إلى السلوك العملي وليس الخطاب فقط.
ومن بين مقترحاته الأخرى؛ الاستثمار في البنية التحتية لإدارة النفايات، وتوفير حاويات ومرافق كافية في المواقع العامة، بما يحد من مسببات" السلوك الخاطئ بدلاً من الاكتفاء بمعالجته بعد وقوعه".
فبعد مرور خمسة أشهر على برنامج الحد من الإلقاء العشوائي، يستدعي التقييم الأولي" قراءة واقعية وموضوعية" لمدى تحقق الأهداف المعلنة، عبر مؤشرات قابلة للقياس.
ولخص هذه المؤشرات بأنها تلك التي تتعلق بمستوى الالتزام، وعدد المخالفات، وكفاءة الاستجابة الميدانية، ومدى تحسن المشهد البيئي في المواقع المستهدفة.
وفي هذا الإطار، فإن تقييم الأداء يشكل" خطوة ضرورية لتصويب المسار وتعزيز الفاعلية.
ولضمان نجاح البرنامج وعدم الوقوع في حلقة إعادة إنتاج التحديات ذاتها، فإن ذلك يتطلب مقاربة متكاملة تقوم على وضوح الأدوار المؤسسية، وتعزيز الرقابة والإنفاذ، وتوفير البنية التحتية، وإعادة تقييم الأداء على نحو دوري وموضوعي.
لكنه حذر من أن" تحميل المسؤولية لطرف واحد دون معالجة المنظومة ككل، لا يحقق النتائج المرجوة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك