مثلما تنطلق القنابل لترسم الغضب الملحمي، ترتفع أصوات لا تقلّ خطورة عن الصواريخ التي تخترق سماء الشرق الأوسط، حيث تختبئ خلف العدسة سرديات صاغت رواية مغايرة لتلك التي يراها المقاوم مجابهةً لأعتى الأدوات بربرية عبر التاريخ، وبرّرتها الإمبراطورية الأمريكية بوصفها الحقيقة المطلقة، لمواجهة ما تدّعيه «إرهابا».
الصحافة ليست تطبيعا مع سردية المحتل، ولا إذعانا للخط التحريري الذي فرض الصورة المشوهة عن الحقيقة، إنها التزام أخلاقي ومهني تجاه الإنسان، وتحريض لإعلاء صوت الحرية والعدالة والكرامةليس العدوان الأمريكي على إيران استثناءً في المشهد الإعلامي، ولا في تغطية شبكة «الجزيرة» التي لم تتأخر في نقل «الحقيقة» إلى الجمهور العربي، بل إنه حلقة أخرى في سجل التضحيات التي يمكن للعدسة أن تقدمها في سبيل الصورة الكاملة؛ حيث لا تخفت أصوات الحرية أمام السبق الإعلامي، ولا تنحاز الخطابات التحليلية لطرفٍ ما لمجرد انتهاك سيادة الدول المضيفة للشبكات الإعلامية، ولعلّ الاستهداف المباشر للصحافيين من طرف أمريكا وإسرائيل يفتح تساؤلات مهمة حول تطبيع بعض وسائل الإعلام مع سرديات العدوان، ومدى تمسك التغطية برواية المأساة الإنسانية.
من أجل ذلك، يقارب المقال الخطابات الإعلامية والتحديات المهنية، في وقت لا تتأخر فيه الولايات المتحدة عن إعادة صياغة شرق أوسط جديد، نحو مزيد من الإذعان والخضوع والتبعية، مع غياب أصوات الحرية الرافضة للاحتلال وحضوره الاستعماري العسكري.
فهل حقا انحازت وسائل الإعلام للرواية الإسرائيلية ضمن حرب السرديات؟ أم أنّ مبادئ الالتزام بأخلاقيات الصحافة والانحياز للإنسان كانت عاملا أساسيا في صياغة تغطيتها؟حين يُعلَن أنّ الصحافة ليست جريمة، فهذا يعني أنّ استهداف وسائل الإعلام والقائمين عليها، عبر مكاتبهم، خطٌ أحمر، ليس في القانون الدولي فحسب، بل ضمن الأعراف والمبادئ الإنسانية التي تضمن حق الكلمة، وصوت الحرية، وحماية الصورة الكاملة.
لكن ماذا لو نظرنا من الجانب الآخر لتلك العبارة المتماسكة حروفها بالقيم الإنسانية، لنعيد قراءتها وجردها ضمن ما يُفترض أنّها المهنية قبل التلفيق، والموضوعية دون الانحياز؟أن تكون صحافيا، فذلك ليس جريمة يُستهدف على إثرها مباشرة الصحافيون، كما فعلت إسرائيل باغتيال العديد منهم في غزة، وأفضى سجلها المثخن بأسمائهم إلى تسجيل المزيد من الصحافيين، لتلتحق فاطمة الفتوني ضمن قوافل الشهداء الذين اغتالهم الاحتلال عمدا، معززا حضوره في حملته الغضب الملحمي، باستهداف مقر التلفزيون العربي في طهران، لا لشيء إلا لإسكات السردية المغايرة، والخطاب المثقل بالحقيقة، والصورة المختلفة عمّا تريده الترسانة الإعلامية المتصهينة.
وبالعودة إلى معنى أن تكون الصحافة جريمة، فإنّ تصريحا واحدا قد يكون سببا مباشرا لاستهدافك.
من أجل ذلك، دافعت فيونا كراك المسؤولة التنفيذية في «بي بي سي» العالمية عن خدمتها العربية، معتبرةً أنها الصوت الوحيد في المنطقة الذي يغطي المنظور الإسرائيلي، ومحذرةً منتقديها من أن المحطة غطت قصصا تجاهلها الإعلام المملوك لدول الخليج، متناسيةً تماما الالتزام المهني الذي يجعل من الصحافة عالما مستقلا، قويا بالصورة والكلمة، ومنحازا تماما للإنسان.
مثل تلك السرديات في بعض محتوى CNN وThe New York Times تأتي لتبرير العدوان الإسرائيلي على إيران، بوصفه إزاحةً لنظام شمولي، واختزال الحرب في حماية المصالح الأمريكية، والتغاضي عن نقل الأحداث كاملةً في إسرائيل، عبر ممارسة التعتيم الإعلامي، والصمت الإيجابي تجاه الآلاف من المدنيين، الذين استهدفتهم آلة القتل الإسرائيلية.
ويُعدّ ذلك تواطؤا صارخا وسقوطا مهنيا لوسائل الإعلام والصحافة، فهل يرقى ليكون جريمة في حق الإنسانية؟فحين يتم «التعتيم المتعمد» لعدد الضحايا، وتُستبدل الدولة، في سياقٍ مختزل، بالنظام الإيراني، وتُنتقى الأخبار المضللة عن «قصف المنشآت العسكرية» بدلا من «الاستهداف الممنهج» للسكان المدنيين، ويُوصَف التدخل العسكري البري كأنه تحريرٌ للعالم من الشر القابع في طهران، فإن ذلك انحيازٌ فاضح لا يليق بمن جعل عدسته مرآةً للحقيقة، ولا بمن يُفترض أن يكون صوتا للإنسان.
الجدير بالذكر أنّ للحرب صوتا آخر، بعيدا عن صخب المدافع وفوضى القنابل، فحين تشتعل بلاتوهات وسائل الإعلام بالتحليل وقراءة الأحداث المتسارعة، تتأتى العبارات ذات الدلالات المربكة، والموجهة لجمهور يساند أو ينتقد سياسات التحرير المنحازة، لكن ثمة خط أخلاقي مهني بين أن تكون الصحافة صوتا لما يحبه الجمهور، أو سلطة رابعة لتصفية الصراعات السياسية.
فشاشة «الجزيرة» مثلًا واجهت «انتقادات متضاربة» حول تغطيتها للعدوان الأمريكي ضد إيران.
ولنقترب أكثر من تلك الحروب التي تشتعل في دوائر ضيقة من صنع السياسات التحريرية في الإعلام، حيث يكون «الاحتلال والعدوان» على دولة ذات سيادة واستقلال، «عملية إطاحة» بنظام شيطنه الغرب، الذي هيمن عليه فريق إبستين، أو تُزاح أعداد القتلى المدنيين، أمام أرقام سعر برميل النفط المتصاعدة ثمنا لتداعيات غلق المضائق، ولنقل إن شيطنة الجمهورية الإسلامية واعتبارها عدوا أولا للمنطقة والعالم، يتواءم مع سرديات الاحتلال الملفقة، والدافعة نحو تأزيم الوضع أكثر في الشرق.
إن مثل تلك المصطلحات، التي تثبت يقينا تورط العديد من وسائل الإعلام العربية والصحافية في تطبيعها مع الكيان المحتل، والقنوات الغربية، التي لا تعترف بأي حق إنساني للصحافيين، دفعتها سياسات التحرير لأن تتواءم مع مخرجات الدول الراعية لها، بدل العمل على تعقب الحقيقة والبحث عن الصورة الكاملة.
قد نتفق أنّ إيران قامت بالاعتداء على الأراضي الخليجية، وهذا الخبر أخذ حيّزه في قناة «الجزيرة» مثلًا بشكل تحليلي موضوعي، لكن هل نعي جيدا أنّ ما يحدث الآن هو «عودة الاستعمار» تحت ذريعة القواعد العسكرية؟ فوسائل الإعلام أصبحت تلقي القنابل في ساحة لا تخلو من الاشتباك الرقمي بين مؤيد للجمهورية ومعارض لها.
فحين يبكي الصحافيون في مستشفى بأصفهان على عائلة الطفلة زينب التي أبيدت بالكامل، يكون دليلا على أنّ الارتباط الإنساني لا يتجزأ ولا يحتمل التأويل، فقصف المستشفيات والجامعات والسكنات ومصادر الحياة يعد جريمة ضد الإنسانية.
لا يزال صحافيو «الجزيرة» وغيرهم يجوبون شوارع طهران، ينظرون إلى شعبها الصامد وآثار الدمار، ويقتفون القصص واللحظات الحاسمة من تاريخ الجمهورية، وهم بذلك يبصرون صناعة تاريخ تلوح فيه طلائع التغيير في المنطقة، إذ باتوا جزءا من لوحة الحياة وذاكرتها الحقيقية التي يتداولها الإيرانيون، كما فعلوا من قبل في أفغانستان والعراق وفلسطين المحتلة.
فالصحافة ليست تطبيعا مع سردية المحتل، ولا إذعانا للخط التحريري الذي فرض الصورة المشوهة عن الحقيقة، إنها التزام أخلاقي ومهني تجاه الإنسان، وتحريض لإعلاء صوت الحرية والعدالة والكرامة.
ستنتهي الحرب بدمار يصيب البنية التحتية ومؤسسات الدولة، لكن لا يمكن لحرب السرديات أن تجعل الكلمات أطلالا، إذ إن آثارها أكثر إيلاما حين تحين لحظة تحرير أوطاننا من المستعمِر، فلا نجد من يرسم الصورة الكاملة بعدسة الحقيقة، أو يرفع شعار مع الإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك