بداية من 2012 كتبت على الأقل خمسة مقالات أحاول أن أشرح فيها للقارئ ولصانعى القرار أن النمو (زيادة حجم الناتج) لا يؤدى بالضرورة إلى تنمية (ارتفاع مستوى المعيشة)! ولكن رغم أن الخطاب الاقتصادي الرسمي، يحمل فى عنوانه كلمة التنمية ( السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية.
السياسات الداعمة للنمو والتشغيل) إلا أنه يُعامَل «معدل النمو» كرمز النجاح الأول: كلما زاد الناتج المحلي الإجمالي، ظننا أن المجتمع أصبح أكثر ثراءً، وأن الحياة صارت أفضل وأن مستوى المعيشة أرتفع.
هذا رغم أن الحالة المصرية أكبر دليل على عدم صدق هذه الفرضية الضمنية.
زيادة الناتج شرط ضرورى لرفع مستوى المعيشة ولكنه شرط غير كاف.
وهناك قول شاع عن وزير مالية مصر الأسبق الذى يطل برأسه هذه الأيام بنصائح اقتصادية (بطرس غالى): أعطونى معدل نمو يعادل 7% وانا أضمن لكم أرتفاع مستوى معيشة الطبقة الدنيا.
وكان له ما أراد ( 2005-2008 معدل نمو6.
8-7.
2) ولكن لم يشعر الناس بأرتفاع مستوى المعيشة بل انتهى الأمر فى 2011 بما لا يحمد عقباه.
وثبت بالدليل العملي أن الاقتصاد يمكن أن ينمو، بينما تبقى المعاناة كما هي، أو تزداد!وحتى نفهم الفرق ببساطة، تخيّل أن الاقتصاد «فطيرة» كبيرة.
زيادة معدل النمو يخبرنا بأن حجم الفطيرة قد ازداد، لكنه لا يقول لنا من حصل على القطع الأكبر ومن لم يحصل على أي زيادة، أي إذا كانت الزيادة في الحجم قد خففت من معاناة من كانوا جائعين أصلًا.
كل الشواهد تقول: إن زيادة الناتج فى عهد بطرس غالى تم اختطافها بواسطة عدد قليل من العائلات والفاعلين الأقتصاديين.
وأنا أخشى أن ما يجرى اليوم على الساحة هو أمتداد لتلك السياسات التى تهدف الى زيادة حجم الفطيرة دون أهتمام بمن تصل أليهم هذه الزيادات.
ومن هنا تظهر أهمية مفهوم آخر: أحاول أن اقدمه اليوم لتغيير السردية وتغيير الهدف الكمي للخطة (السردية).
هذا ما أشير اليه" بمعدل البؤس المعكوس" أو معدل (الرفاهية البسيط).
مؤشر البؤس الكلاسيكي، الذي يُدرَّس في المقررات الأولى لطلاب الاقتصاد، طوّره" آرثر أوكون" في السبعينيات، ويُعرَّف ببساطة بأنه مجموع معدل البطالة ومعدل التضخم (مؤشر البؤس = معدل البطالة + معدل التضخم).
كلما ارتفع هذا المؤشر دل ذلك على تفاقم الضيق الاقتصادي، لأن الناس يواجهون صعوبة في إيجاد عمل وأيضا ارتفاعًا في الأسعار يلتهم دخولهم.
في الاقتصاد الأمريكي، تسعى الإدارة الاقتصادية عادةً إلى إبقاء مؤشر البؤس في خانة الأرقام الأحادية، لأن تجاوزه عشرة يُعَد علامة على توتراجتماعي واقتصادي واضح، بينما تجاوزه عشرين يعني دخول الاقتصاد في حالة بؤس شديد وخطر.
ومن ثم الفكرة المقترحة هنا هي قلب الصورة: بدل التركيز على «كمية البؤس»، نركّز على «مدى التخفيف من البؤس».
فإذا عبّرنا عن مؤشر البؤس في صورة رقم من 0 إلى 100، يمكننا تعريف مؤشر جديد على النحو التالي: مؤشر الرفاهية ( المبسط) = (100 – مؤشر البؤس التقليدي).
بهذا التحويل، يتحول نفس الرقم إلى مقياس بسيط لمدى الرفاهية: كلما انخفضت البطالة وتراجع التضخم، ارتفع مؤشر الرفاهية المبسط؛ أي إن الناس يجدون عملًا، وتصبح قدرتهم على شراء الأساسيات أفضل.
وهكذا يمكن توضيح الفارق بين زيادة معدل النمو وزيادة معدل الرفاهية المبسط فيما يلى: أن الاعتماد على معدل النمو فقط معناه التركيز على أن الفطيرة تكبر عامًا بعد عام.
حين نقول إن الناتج المحلي الإجمالي نما بنسبة معينة، فنحن نقر بأن حجم النشاط الاقتصادي الكلي أكبر.
لكن السؤال الحاسم للمواطن البسيط ليس: «كم أصبح حجم الفطيرة؟ » بل: «هل وصلتني قطعة أكبر وأكثر جودة من هذه الفطيرة؟ » هنا يبدو قصور الاعتماد على النمو وحده.
فكما ذكرنا من قبل يمكن أن تزيد الفطيرة ويستحوذ على الزيادة عدد محدود من الأفراد أو الشركات ويمكن أن يزيد الإنتاج بالتوازي مع ارتفاع شديد في الأسعار، فيتآكل الأجر الحقيقي للمواطن ولا يستطيع الحصول على ما يسد رمقه.
وهكذا يمكن القول بأنه إذا كان النمو يعني «زيادة حجم الفطيرة»، فإن الرفاهية تعني شيئين معا: أولا، كيف تُوزَّع الفطيرة بين الناس؟ وكذلك ثانيا، إلى أي مدى تقلّ معاناة الناس من البطالة وغلاء المعيشة؟ومن ثم التركيزعلى مؤشر" البؤس المعكوس" أو" الرفاهية المبسط" يمسك مباشرةً بالشق الثاني: فهو يقيس مدى نجاح السياسات في تقليل المعاناة اليومية المرتبطة بسوق العمل والأسعار.
عندما ينخفض معدل البطالة ويهدأ التضخم، حتى لو كان معدل النمو متوسطًا، يشعر الناس بتحسن حقيقي في حياتهم: يجدون عملًا، ويمكنهم التخطيط للمستقبل دون خوف من قفزات الأسعار.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى معدل البؤس المعكوس كـ«ترجمة شعبية» لمفهوم الرفاهية الاقتصادية.
هو لا يدخل في تفاصيل توزيع الدخل أو جودة الخدمات العامة، لكنه يقدّم إشارة واضحة: هل أصبح من الأسهل أن تعيش حياة كريمة من خلال عمل مستقر وأسعار معقولة، أم لا؟الاعتماد على معدل النمو وحده في سردية التنمية يدفع الحكومات إلى التركيز على تعظيم حجم الفطيرة، حتى لو جاء ذلك على حساب توزيعها العادل أو على حساب السيطرة على التضخم.
في المقابل، إدخال معدل البؤس المعكوس في صلب الخطاب التنموي يغيّر طريقة صياغة السياسات والأولويات.
أهم مزايا استخدام معدل البؤس المعكوس بوصفه معدل رفاهة مبسط أنه يربط بين الاقتصاد الكلي وحياة الناس اليومية: لا يصبح السؤال «كم نما الناتج؟ » بل" إلى أي مدى تراجعت معاناة الناس من البطالة والغلاء؟ " ».
وهذا سيدفع الحكومات إلى موازنة أهدافها: فالسياسة التي ترفع النمو لكنها ترفع التضخم بقوة أو لا تخلق وظائف كافية، ستظهر مباشرةً في تراجع معدل الرفاهة المبسط.
ومن ثم يمكن للمجتمع أن يسأل الحكومة: لماذا تحسّن النمو بينما لم يتحسن معدل الرفاهية؟ أو لماذا لا تنعكس المشروعات الكبرى على انخفاض البطالة واستقرار الأسعار؟وما لم تنتقل السردية الوطنية من الاكتفاء بتعظيم النمو إلى جعل تخفيف البؤس ورفع مستوى المعيشة هدفًا مركزيًا، ستظل فجوة الثقة قائمة بين أرقام التقارير الرسمية وما يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك