يخطّ طالبٌ في السابعة عشرة من عمره مفتتح رواية لن يكمل منها سوى عشر صفحات، ليلتحق بعدها بالكلية الحربية، ويصل إلى حُكم مصر مع مجموعة من رفاقه الضباط.
في نصه الأدبي الأول والأخير بعنوان" في سبيل الحرية"، يكتب جمال عبد الناصر: " يتحدثون عن رجل طويل القامة عريض المنكبين، وبعضهم يدعوه بـ" المقنّع"، وهم يظنون أن القوة التي تحميه قوة علوية، ولكن يظهر أن أحداً لم يره؛ فكأنه حقاً رسول من إبليس نفسه".
شخصية المقنّع شغلت بال الجماهير حتى اليوم، حرفياً ومجازياً.
في البدء، يُخرج مقربون من عبد الناصر هذا النص من أدراجه عقب جلاء الاستعمار البريطاني عام 1956، ليلهم الكتّاب في مسابقة أعلنت عنها وزارة الثقافة على صفحات مجلة" آخر ساعة" التي يرأسها محمد حسنين هيكل باستكمال" رواية" تدور أحداثها عن انتصار المصريين على الحملة البريطانية بقيادة ألكسندر ماكنزي فريزر سنة 1807.
لم تجذب المسابقة أياً من أدباء مصر المعروفين حتى بعد تأجيلها سنتين، ويُعلن عن فوز ثلاثة طلاب بها لم ينالوا حظاً أو شهرة في عالم الرواية لاحقاً.
لا تبدو نتائج المسابقة مهمة رغم نشر أعمال الفائزين بها وبآلاف النسخ، وتضمين اقتباسات منها في المناهج الدراسية، وتكرّر الأمر نفسه حين سعى جهاز الدعاية خلال الحقبة الناصرية إلى إنتاج عمل أوبرالي ومسرحية ومسلسل إذاعي وفيلم سينمائي، مستمدة جميعها من الرواية ذاتها، إلا أن بعض هذه المشاريع تعثّر ولم يلقَ ما أُنجز منها نجاحاً يُذكر.
" شخصية المقنّع شغلت بال الجماهير حتى اليوم، حرفياً ومجازياًلم ينته الجدل حول هذا النص مثلما هو الحال مع خطابات عبد الناصر أو كتاباته الأخرى، التي عبّر في جزء منها عن رؤية أعمق خاصة في زمنها؛ ما يتعلّق منها بمراجعاته لمحطات تاريخية مثل ثورة 1919، أو حرب فلسطين، أو ملء الفراغ بعد الاستعمار البريطاني والفرنسي وطبيعة التعامل مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
كلّ ذلك كان يمكن استيعابه لكن الأدب يفضح ما تحجبه السياسة، فالرواية غير المكتملة كُتبت تأثراً برواية" عودة الروح" (1933) لتوفيق الحكيم، بحسب الزعيم المصري الذي اعتبرها تأسيساً لأفكار ثورته.
تأتي أولى المفارقات، حين قدّم الحكيم أقسى الانتقادات لقمع عبد الناصر للحريات في كتابه" عودة الوعي" (1974) بعد أربعة أعوام فقط من رحيله.
لا تهمنا هنا المناخات التي أنتجت كتاب" عودة الوعي"، فهي ارتبطت حتماً بنهج السادات في تحطيم مرحلة بأكملها دون أن يقدم بديلاً، ومعظم الأعمال الأدبية والسينمائية التي هاجم أصحابها إخفاقات الناصرية لم تقترب ولو بكلمة من كوارث الانفتاح الاقتصادي أو كامب ديفيد.
نعود إلى" المقنّع" الذي لم يكن مجرد شخصية غامضة اخترعها عبد الناصر، إنما كان" رجلاً طويل القامة عريض المنكبين" يشبهه تماماً، و" تحميه قوة علوية" كما آمن بنفسه.
وقبل أربعة أيام من ذكرى هزيمة يونيو/ حزيران 1967، نذكر أن" المقنّع" لم تسعفه الموهبة لإتمام روايته، وأخفق في اجتراح طريق تحقق غاياته.
ربما نحتاج بطلاً غير مقنّع، وتكون المسافة بين رسم الغيْب وبين الواقع كافية لتحقيق الحلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك