لم تعد بطالة خريجي الجامعات في تونس مجرد أزمة ظرفية مرتبطة بتراجع الاستثمار أو تباطؤ الاقتصاد، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أزمة هيكلية عميقة تكشف اختلال العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وتعكس عجز الاقتصاد عن خلق فرص تشغيل تستوعب عشرات آلاف المتخرجين سنوياً.
وبينما تتراجع الآمال في الحصول على وظيفة مستقرة، تتسع التداعيات الاجتماعية لتطاول الاستقرار النفسي للشباب، وتكوين الأسر، وحتّى المؤشرات الديمغرافية في البلاد.
وأظهرت مؤشرات التشغيل والبطالة للربع الأول من سنة 2026، الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، تراجعاً طفيفاً بـ0.
2% لنسبة البطالة العامة لتبلغ 15%، مقابل ارتفاع بـ1.
7% في نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا لتبلغ 24.
2% خلال الربع الأول من العام الحالي، مقارنة بـ22.
5% خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025، مع تفاوت واضح بين الجنسين، إذ قُدّرت البطالة بـ14.
2% لدى الذكور و32% لدى الإناث من حاملي الشهادات العليا.
وتكشف هذه المؤشرات أن الحصول على شهادة جامعية لم يعد ضماناً للاندماج المهني، بل أصبح في كثير من الأحيان مدخلاً إلى سنوات طويلة من الانتظار والبطالة والهجرة أو العمل الهش.
ويرى اقتصاديون أنّ الاقتصاد التونسي يعيش حالة" نمو بلا تشغيل"، إذ تتحقق نسب نمو محدودة لا تترجم إلى خلق فرص عمل كافية، خصوصاً للكوادر الجامعية.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية، آرام بالحاج، أن الاقتصاد التونسي ينمو بالارتكاز على نسبة النمو بحساب الانزلاق السنوي والبالغة 2.
6% التي حققها في الربع الأول من العام الحالي، غير أنه يتراجع بالارتكاز على نسبة النمو بحساب الانزلاق الثلاثي والبالغة -0.
3%.
وأكد بالحاج في تصريح لـ" العربي الجديد" أن نموذج الاقتصاد التونسي يُعاني من ضعف هيكلي مزمن يُقيّد سقف نموه الفعلي، إذ لم يستعد الناتج المحلي الحقيقي بعد مستواه ما قبل الجائحة إلّا في 2025، ما يعني أن الـ 2.
6% ليست علامة ازدهار بل استعادة جزئية للأرضية المفقودة.
ويرى المتحدث أن الاقتصاد التونسي ينمو تاريخياً، لكنه يفقد طاقته الحركية من ثلاثية إلى أخرى، وهو ما يؤشر إلى نمو هشّ، غير متجذّر في استثمار منتج، ومُعرَّض لصدمات خارجية، ولا سيّما في ظل مخاوف من أن أي ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة جراء التوترات الإقليمية قد يُفاقم العجز ويُعيد تأجيج الضغوط التضخمية وضعف القدرة على خلق فرص عمل مستدامة.
واعتبر بالحاج أنّ الاقتصاد التونسي يحتاج إلى إصلاحات عميقة لتحقيق نسب نمو حقيقية تحلّ إشكاليات البطالة والفقر والتفاوت الطبقي والجهوي.
وتتعمق منذ سنوات الأزمة في تونس مع اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، إذ يواجه عدد كبير من خريجي الجامعات في مختلف الاختصاصات صعوبات في الاندماج بسبب غياب المهارات التطبيقية والتكنولوجية المطلوبة، في حين تعاني قطاعات ناشئة مثل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي من نقص الكفاءات المتخصصة والقادرة على مواكبة التحولات العالمية.
في المقابل، تدفع البطالة المتواصلة آلاف الشباب نحو الهجرة النظامية وغير النظامية، بحثاً عن فرص عمل خارج البلاد، كما تحولت هجرة الكفاءات إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه تونس، مع تزايد إقبال المهندسين والأطباء وخريجي الاختصاصات التقنية على العمل في أوروبا والخليج وكندا، ما يحرم الاقتصاد المحلي من طاقات بشرية تحتاجها البلاد لتحقيق التنمية.
ولا تقف آثار بطالة الجامعيين عند الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي والاستقرار الأسري، إذ يؤدي ارتفاع البطالة وتأخر الحصول على دخل قار إلى تأخر سن الزواج على نحوٍ غير مسبوق، فيما بات تكوين أسرة أو اقتناء مسكن أو حتى التخطيط للمستقبل أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى فئات واسعة من الشباب.
ويحذر مختصون في علم الاجتماع من أن استمرار هذا الوضع يعمق مشاعر الإحباط وفقدان الثقة في التعليم وفي جدوى الترقي الاجتماعي عبر الدراسة والعمل، كما يساهم في ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والعزوف عن المشاركة الاقتصادية والسياسية.
ويقول الباحث في علم الاجتماع فؤاد الغربالي، إنّ تونس تشهد منذ سنوات تراجعاً في معدلات الولادات والخصوبة، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف الحياة وتزايد هشاشة الأوضاع الاجتماعية.
وأوضح الغربالي في تصريح لـ" العربي الجديد" أن هناك رابطاً وثيقاً بين عدم الاستقرار المهني وتأخر الشباب في تكوين أسر، خاصة لدى الفئات الشابة المتعلمة.
واعتبر المتحدث أن طول فترة بطالة خريجي الجامعات، الذين كانوا يشكلون في العقود السابقة عصب الطبقة المتوسطة، يهدد بأزمة ديمغرافية بدأت آثارها تظهر مع نزول مستوى الخصوبة إلى أدنى مستوياته بـ1.
7 طفل للأسرة الواحدة.
وأضاف الغربالي أنّ" تونس أمام معادلة صعبة؛ جامعات تواصل تخريج آلاف الشباب سنوياً، واقتصاد عاجز عن استيعابهم، وسوق عمل يتحول تدريجياً نحو المهارات الرقمية والتكنولوجية دون إصلاح حقيقي لمنظومة التعليم والتكوين"، وأكد أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحات هيكلية عميقة تشمل مراجعة الاختصاصات الجامعية وربطها بحاجيات الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتحفيز المؤسسات الناشئة، وتطوير التكوين المهني والتكنولوجي، إضافة إلى خلق بيئة اقتصادية مستقرة قادرة على استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك