عام 1926، تفاجأ القرّاء في الولايات المتحدة الأميركية بصدور كتاب مهم، " لا يمكنك الفوز" لجاك بلاك (1871 ـ 1933)، الذي حقّق مبيعات كثيرة، ونال اهتماماً كبيراً من الصحافة، لأنّ المؤلِّف سرد مساره وأبرز إنجازاته ومحطاته، التي لم تكن كتلك التي اعتادها القرّاء، بل مختلفة كلّياً: إنّه لص سابق، سرق منازل ومصارف ومؤسسات، وعاش حياته مشرّداً ينتقل من مدينة إلى أخرى.
في كل فضاء يمرّ به، يترك بصمته بصفته سارقاً، فينتهي به المطاف في السجون، التي ذاق فيها كل أصناف التعذيب سنوات طويلة.
ثم أصبح أمين مكتبة.
بحصوله على إفراج مشروط، استغلّ وقته، فروى في مؤلَّفه هذا كل تلك المغامرات والأفعال الجرمية بلغة غير تقليدية، مفصّلاً إياها، ومُظهراً فلسفته وطريقته ونظرته إلى الأعمال الجرمية.
أي إنه استعمل الفن والجمال واللغة لتبيان جمالية القبح.
بعد قرن من صدوره، سلّط روبنسون ديفور الضوء على الكتاب، وعلى المؤلف المجرم بلاك، بتحويله المغامرة الأدبية المكتوبة إلى فيلم سينمائي، متعاوناً في كتابة السيناريو مع تشارلز موديدي ومايكل بيت، والأخير يؤدّي دور المجرم واللص وكاتب المذكرات.
اعتمد ديفور، الأستاذ في كلية كورْنِش للفنون بمدينة سياتل، أسلوب التأمل وسيميولوجية الصورة، لابتكار مشاهد عبثية ومتضادة وعامرة بالمعاني الفكرية، من دون إدانة المجرم، بل بالتعامل معه بإنسانية طافحة، مجرّداً إياه من طبيعته العدوانية المكتسبة، ومحاولاً إثبات فكرة أن الانسان ابن بيئته.
دافع عن هذه الفكرة بشراسة، مُفرزاً قيماً إنسانية وتاريخية وفلسفية، تمثّلت بأن الفرد مرآة عاكسة للأسرة والمجتمع والدولة.
والدة بلاك رحلت باكراً، ولحق بها والده، فوجد نفسه مُشرّداً في الشارع.
بلمح البصر، تلقّفه مجرمون، فصار فرداً منهم، يسرق وينهب وينتقل بين المنازل في الولايات المتحدة وكندا.
كان مُسيّراً في مساره، لا مُخيّراً.
أما القيم الفلسفية، فتجلّت بوضوح في النهج الخاطئ الذي ارتكبته الشرطة وإدارة السجون في التعامل مع المتّهمين والمُدانين، بالتعذيب وممارسة كل أنواع القسوة ضدهم، من دون النظر في خلفياتهم المتعدّدة، ما جعل المتهمين يتقدّمون أكثر في إجرامهم، مع تعاظم غضبهم وسخطهم على النظام بمكوّناته، وعلى المجتمع بأطيافه.
هذا حالٌ أصبح عليه جاك بلاك، الذي لم يجد من يُقدّم له المساعدة الإنسانية الضرورية.
لذا، بات يميل أكثر إلى أسلوب الشارع وحياة المجرمين، فهؤلاء كانوا أكثر إنسانية وتفهّماً وفهماً لخلفياته، فمال التعاطف إليهم، بعد فهمه نظرتهم إلى الأشياء والطبقة المنتمين إليها، والقاع الذي يسكنون فيه.
تركيز ديفور على الموضوع وعبثية الحياة لم يُنسِهِ القيم الفنية التي يجب توفّرها في الفيلم.
لذا، عَكَس جماليات عدّة، كالمونتاج الذي شارك في إنجازه مع كريستوفر جوليان وماركو بيريز، مُستعملاً إياه بذكاء، بجعله نقطة تحوّل زمني فكري، أكثر منه عنصر ربط وتناسق وتمازج.
به، خلق منطلقات تشويق وإثارة، خدمت التوجّه التأمّلي العام، وأسلوبه السردي المختلف، بمشاركة عناصر عدّة، بصرية (شون كيربي) وموسيقية (بول ماثيو مور)، وعبر الممثلين، بكيفية تعاطيهم مع أدوارهم، وفهم منطلقاتها الفلسفية والتاريخية، وأبرزهم بيت وويل باتون (فوت هاف جورج).
" لا يمكنك الفوز" خلاصة عن النظام الأميركي المتوحش، السائد في نهاية القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، حين كانت الغلبة للرأسمالية والمال والطبقات العليا، بينما الطبقة السفلى تُسحق تحت أقدامها، فنتج من هذا تشرّد الملايين ممن لم يجدوا لقمة يسدون بها جوعهم، وسقفاً يؤويهم، فسقطوا في الجريمة.
كذلك أظهر ديفور كيف كان النظام يعامل هؤلاء، عبر التعذيب الذي زاد من حدّة الإجرام بدل تقليصه.
صاغ تلك المنطلقات بصُور قاتمة وكئيبة وبطيئة وحزينة، عَكَست نفسية بلاك، المأزومة والمجروحة والمتهالكة.
بذلك، قدّم وثيقة مهمة وصادقة عن مرحلة سوداء من تاريخ الولايات المتحدة، برسمه معالم مهمة.
كأنه يُقرّ أن ما وصلت إليه حالياً من حضارة وتقدّم، بُنِيَ على كادحين ومُشرّدين، ومعاقبتهم بأجهزة العدالة والشرطة، إضافة الى النظام المالي والتشريعي الصعب، الذي كان يُنظّم حياتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك