أتذكر جيداً حينما كنت في السنة الأولى، أواخر ستينيات القرن الماضي، أن زملائي الطلبة في غرفة الصف كانوا من أعمار شتى، ويكاد معظمهم في مرحلة المراهقة يناهزون السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، فيما كنت مع قلة من أترابي بالكاد نبلغ الثالثة عشرة.
ومع ذلك، فقد كنا في ذلك الزمن الجميل شغوفين جداً باقتناء الكتب.
والأغرب من ذلك أننا كنا ذوي انتماءات متعددة موزعة على أبرز التيارات السياسية اليسارية بروافدها القومية والماركسية العريضة.
وكنا مأخوذين بالاستماع إلى إذاعة المدرسة التي كانت تبث يومياً أثناء الفسح الأغاني القومية لكبار الفنانين المصريين، كما كنا مغرمين جداً بتبادل الصور الشخصية والطوابع، وباقتناء الكتب التي كنا نحصل عليها عادةً إما من مصروف الجيب ( الخرجية)الذي كنا نقتصده، محرّمين أنفسنا من مأكولات البوفيه المسمى حينذاك “المقصف”، وكان عبارة عن كشك خشبي صغير، يبيع فطيرة السمبوسة، أو من خلال مراسلة وزارة الإرشاد القومي المصرية (وزارة الإعلام حالياً) حيث كانت ترسل إلينا نصوص خطب الرئيس المصري والزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر.
قبل أيام، وفيما كنت كعادتي مع إشراقة كل صباح أقوم بترتيب مكتبتي وتنظيمها، وقع في يدي كتاب صغير الحجم، لكنه عظيم في مضمونه، أُهداه إليّ زميلي في الصف عبد الله موسى جعفر من قرية" مقابة".
وكم أتمنى لو ألتقي به اليوم لأشكره على هذه الهدية الثمينة.
وكانت الهدية عبارة عن كتاب لأحد شعراء لبنان العظام، ألا وهو جبران خليل جبران (1883–1931)، وكان عنوانه “البدائع والطرائف”.
وبطبيعة الحال لم أكن حينذاك، وأنا في تلك السن الطرية، أدرك قيمة الكتاب.
وبحكم اهتماماتي اللغوية، فإن جبران يرى في هذا الكتاب أن مستقبل العربية لا تصنعه القواعد وحدها، ولا المعاجم فحسب، وإنما يسهم فيه الكتّاب والشعراء بما يبتكرونه من أساليب جديدة.
وقد انتقد أيضاً تحنيط اللغة، داعياً إلى بث الروح فيها وإحيائها بالإبداع والتجديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك