يشهد قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي موجة متسارعة من تسريحات الموظفين، في ظل التحولات العميقة التي فرضها الذكاء الاصطناعي على نماذج الأعمال التقليدية.
وبينما تؤكد الشركات الكبرى أن أدوات الذكاء الاصطناعي جعلت جزءاً من القوى العاملة أقل حاجة، يرى مراقبون أن الأسباب الحقيقية تتجاوز ذلك، لتشمل مخاوف الشركات من فقدان قدرتها التنافسية، والإنفاق الضخم على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الضغوط المتزايدة للحفاظ على الربحية وإرضاء المستثمرين.
وبات الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الأعمال العالمية، فيما تبدو تداعياته على إسرائيل أكثر حدة من غيرها نظراً للمكانة المركزية التي يحتلها قطاع التكنولوجيا في الاقتصاد المحلي.
وعلى خلاف التوقعات السابقة التي ركزت على استبدال الموظفين مباشرة بالآلات والبرمجيات الذكية، فإن ما يحدث اليوم يتمثل في شعور الشركات نفسها بأنها مهددة بالاستبدال أو التهميش إذا لم تواكب التحولات المتسارعة.
وخلال السنوات الماضية، شهدت شركات التكنولوجيا موجات متلاحقة من التسريحات لأسباب مختلفة، إلا أن الموجة الحالية تبدو أشبه بـ" تسونامي" يضرب القطاع بأكمله.
فالشركات تتجه إلى خفض النفقات وتقليص أعداد العاملين في محاولة للتكيف مع واقع جديد يتشكل بسرعة.
ويرى خبراء أن آثار هذه الموجة لن تقتصر على سوق العمل، بل ستنعكس على بنية الاقتصاد وأنماط التوظيف ومستقبل المهن المرتبطة بالتكنولوجيا.
وفي السياق، قال المستثمر الإسرائيلي، أورين زئيف، أحد أبرز الأسماء في قطاع التكنولوجيا، لموقع" واينت غلوبال": " أنا لست قلقاً على القطاع بقدر قلقي على الموظفين.
ستكون هناك موجة صدمة كبيرة للعاملين، ولا أعرف إلى أين ستقودنا.
ليس لديّ إجابة واضحة سوى الأمل بأن تجد الأسواق توازنها في نهاية المطاف".
بدوره، حذر آفي إيال، الشريك الإداري في صندوق" إنتريه كابيتال"، من أن السوق تتحرك في اتجاه غير مواتٍ، مؤكداً أن موجة التسريحات بدأت فعلاً ومن الصعب تغيير مسار القوى الاقتصادية التي تدفع إليها.
بدأت عمليات خفض الوظائف خلال الأشهر الأخيرة بصورة محدودة داخل الشركات متعددة الجنسيات التي تمتلك مراكز تطوير في إسرائيل، قبل أن تمتد تدريجياً إلى الشركات الإسرائيلية نفسها.
فقد أعلنت شركة ميتا تسريح نحو 8 آلاف موظف عالمياً، بينهم عشرات العاملين في إسرائيل، فيما كشفت" مايكروسوفت" عن برامج مغادرة طوعية وتسريحات طاولت نحو 7% من موظفيها في الولايات المتحدة.
كما خفضت شركة سناب حوالي 16% من قوتها العاملة حول العالم، أي ما يقارب ألف موظف.
وشهدت إسرائيل أيضاً إغلاق مراكز تطوير تابعة لشركتي ZoomInfo وShutterfly الأميركيتين، ما أدى إلى صرف مئات العاملين، بينما طاولت التسريحات عشرات الموظفين في شركتي PayPal وIntuit.
أما على مستوى الشركات الإسرائيلية فأعلنت شركة ويكس خفض 20% من قوتها العاملة، أي ما يقارب ألف موظف، بينهم 900 داخل إسرائيل.
كما سرّحت شركة Lightricks عشرات الموظفين، وخفّضت منصة Minute Media الرياضية 12% من عدد العاملين لديها عالمياً، بينهم نحو 60 موظفاً في إسرائيل.
كذلك استغنت شركة Taboola عن نحو 100 موظف.
وامتدت التخفيضات إلى شركات كانت تُعتبر حتى وقت قريب من أكثر المؤسسات استقراراً.
فقد أعلنت شركة Rapyd، المتخصصة في التكنولوجيا المالية، تسريح مئات الموظفين، فيما أوقفت شركة AI21 جزءاً كبيراً من أنشطة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي لديها، وخفضت نحو 60% من قوتها العاملة.
كما سرّحت شركة Amdocs ما يقارب 10% من موظفيها، بينهم مئات العاملين في إسرائيل، بينما نفّذت SentinelOne خفضاً مماثلاً شمل عشرات الموظفين المحليين.
وانضمت شركات Firebolt وAxonius وNayax إلى قائمة المؤسسات التي استغنت عن عدد من العاملين لديها.
ويرى مراقبون أن موجة التسريحات تتوسّع بسرعة من شركة إلى أخرى، في وقت لا تبدو فيه الحكومة الإسرائيلية منشغلة بشكل كافٍ بالتداعيات المحتملة لهذه التطورات على قطاع يُعد المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي.
بين الواقع و" غسل الذكاء الاصطناعي"عند التدقيق في مبررات الشركات المختلفة، يظهر نمط متشابه يتمثل في الحديث عن استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الحاسوبية والكوادر المتخصصة، مقابل الحاجة إلى تقليص التكاليف التشغيلية وخفض أعداد الموظفين.
كما تبرر بعض الشركات قراراتها بارتفاع كفاءة العمل نتيجة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل الحاجة إلى أعداد كبيرة من العاملين.
وفي الحالة الإسرائيلية، يضاف إلى ذلك تأثير قوة الشيكل التي رفعت تكلفة الأجور.
غير أن هذه التفسيرات تواجه تشكيكاً متزايداً.
فقد أقر كل من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، بأن توقعاتهما السابقة بشأن استبدال الذكاء الاصطناعي للوظائف كانت مبالغاً فيها.
وقال ألتمان إنه كان يتوقع تأثيراً أكبر بكثير مما حدث فعلياً، بحسب ما ذكر موقع" واينت غلوبال".
وفي ضوء ذلك، يتهم منتقدون بعض الشركات بممارسة ما بات يُعرف بـ" غسل الذكاء الاصطناعي"، أي استخدام الذكاء الاصطناعي ذريعة لتبرير قرارات خفض العمالة، بينما تكمن الدوافع الحقيقية في اعتبارات مالية واستراتيجية أعمق، لكن خلف هذه المبررات توجد مخاوف فعلية تتعلق بمستقبل نماذج الأعمال نفسها.
فشركة مثل Wix تواجه احتمال أن تصبح أدواتها التقليدية لإنشاء المواقع أقل أهمية مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيما تخشى Fiverr من أن يؤدي انتشار الذكاء الاصطناعي إلى تقليص الطلب على عدد من الخدمات التي يقدمها المستقلون عبر منصتها، ولذلك تتجه شركات عديدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، عبر التركيز على الأنشطة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتخلي عن الأنشطة الأقل ارتباطاً بهذه الاستراتيجية، بالتوازي مع خفض تكاليف التشغيل تحسباً لأي تراجع مستقبلي في الإيرادات.
ضغوط المستثمرين والشيكل القوييلعب المستثمرون أيضاً دوراً مهماً في دفع الشركات نحو خفض النفقات، فحتى المؤسسات التي تتمتع بسيولة مالية جيدة تسعى إلى الحفاظ على مستويات الربحية وإظهار الاستقرار المالي من خلال توزيع الأرباح وإعادة شراء الأسهم، وهو ما يجعل تقليص العمالة أحد الخيارات السريعة لخفض التكاليف.
وقال أورين زئيف إن الذكاء الاصطناعي يضر ببعض الشركات بالفعل، لكنه يمنح شركات أخرى فرصاً استثنائية للنمو وتحقيق مكاسب كبيرة، معتبراً أن المنافع الإجمالية للتكنولوجيا الجديدة قد تكون أكبر من أضرارها على المدى الطويل.
وفي المقابل، شدد آفي إيال على ضرورة معالجة تداعيات قوة الشيكل على القطاعات التصديرية، وعلى رأسها التكنولوجيا.
ورأى أن الحكومة مطالبة باتخاذ خطوات أكثر جرأة لدعم الشركات الناشئة وتشجيع المستثمرين، بما في ذلك تقديم حوافز ضريبية شبيهة بالبرامج المعتمدة في الولايات المتحدة لتحفيز الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا والتقنيات الدفاعية.
وبين التفاؤل الذي يبديه بعض المستثمرين بشأن الفرص التي يخلقها الذكاء الاصطناعي، والمخاوف المتزايدة من تداعياته على الوظائف ونماذج الأعمال، يبدو أن قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي يقف أمام مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل ملامحه خلال السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك