وقدم غنام غنام هذا العرض في عدة دول عربية، منها مصر، وهو من تأليفه وتمثيله وإخراجه، وعنوان النص هو نفسه عنوان كتاب المحامية، التي كانت إسرائيلية، فليتسيا لانجر، ودافعت عن المعتقلين الفلسطينيين ووقفت ضد المحاكم الصورية التي كانت مهمتها تكريس الاحتلال وقمع مقاومته، وفضحت السياسات اللاأخلاقية لجيش الاحتلال، وقبل أن تتخذ قرارها بمغادرة فلسطين قالت" قررت أنه لا يمكن أن أكون ورقة التين التي تستر عورة النظام"، وغادرت عام 1990 إلى ألمانيا وظلت هناك تكتب وتدافع عن حقوق الفلسطينيين حتى توفيت عام 2018 عن عمر 88 سنة.
أراد غنام غنام، فيما يبدو، التذكير بهذه المحامية من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن العنوان ينسحب على النص نفسه، فما حدث هو مشاهدات بأم عينه داخل الأراضي المحتلة، يحكي عنها.
في هذا العرض.
عاملان مهمان وسؤالان مركزيان في العرض الذي يراوح بين الحكي والمونودراما، دون أن يشغل نفسه، أو مشاهده، بتأكيد انتمائه إلى هذا النوع أو ذاك.
أما العاملان المهمان، فالأول هو النص، الذي يتناول تجربة ذاتية مر بها غنام غنام، بكل ما تحمله من فرح وأسى وأمل، والعامل الآخر هو الممثل الذي يجسد تجربته الذاتية، والحدود التي يفصل فيها بين كونه ممثلاً، وكونه صاحب التجربة التي يجسدها، وهي مهمة عسيرة، إن لم يخضها صاحبها بمهارة ووعي، يمكن أن تذهب به إلى الميلودراما أو الابتزاز العاطفي.
السؤالان المركزيان أولهما استفهام بلاغي يقصد به توصيل انطباع إلى المخاطب يستتر وراء هذا الاستفهام كالتعجب والاستنكار، أما الآخر فهو استفهام حقيقي، الغرض منه الحصول على إجابة، ففي تسلله إلى الأراضي المحتلة ولقائه ابنتيه وأصدقاءه وتعرفه إلى الطرق التي يتحايل بها فلسطينيو الداخل على السلطات الإسرائيلية، كان السؤال الذي ردده كثيراً مع نفسه هو" أين الاحتلال؟ " كأنه يتعجب من قدرات الفلسطينيين على العيش والإبداع والحفاظ على الهوية، وهم تحت وطأة الاحتلال، وكأنه أيضاً ينفي وجود هذا الاحتلال، أما السؤال الآخر، الاستفهام الحقيقي الذي يبحث عن إجابة، فهو" لماذا هزمنا هذا العدو، لماذا يهزمنا أكثر من مرة، وما الذي يحول دون أن نهزمه؟ ".
لا يقدم غنام غنام منشوراً سياسياً، هو يحكي عن رحلة إلى الأراضي المحتلة، قام بها متسللاً عام 2017، زار رام الله بتصريح من السلطة الفلسطينية، وقدم عرضاً مسرحياً، ورغب في زيارة ابنتيه اللتين تقيمان في الناصرة، بعد خمس سنوات من الانقطاع عن التواصل المباشر، ودبر له أصدقاؤه وأحد أبناء عمومته طريقة للدخول، وهناك التقى ابنتيه، وتجول في الناصرة، ومنها إلى حيفا، ثم عكا، مذكراً بواليها أحمد باشا الجزار، الذي قاوم غزو نابليون بونبارت للمدينة، وعيسى العوام، وغسان كنفاني، الذي ذهب إلى بيته والتقط له صوراً سريعة دون علم سكانه من المحتلين الذين يعنفون كل من يقترب من البيت ويحاول تصويره، ولم يكتفِ بكل تلك الجولات، بل أقام ورشة للحكي في أحد المراكز الثقافية الفلسطينية، أتبعها بتقديم عرضه المسرحي" سأموت في المنفى" سراً، وسط مجموعة مختارة من الضيوف، كل هذا فعله، ومرت الزيارة على خير، ما جعله في النهاية يتساءل: لماذا هزمنا هذا العدو، لماذا يهزمنا أكثر من مرة، وما الذي يحول دون أن نهزمه؟
تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك