إيلاف - هل بدأت "النماذج" تخيف صانعيها؟ أنثروبيك تطلب زرّ إيقاف عالمي للذكاء الاصطناعي "قبل آن.."! قناه الحدث - كييف تعلن استهداف سفنا ببحر آزوف وموسكو تتحدث عن 5 ضحايا قناة الغد - الاتحاد الأوروبي: لا مؤشرات على نقص وقود الطائرات رغم أزمة هرمز العربية نت - مسؤولون إسرائيليون يقرون: توبيخ ترامب لنتنياهو أضعفه فرانس 24 - الأصول المصرفية في الإمارات ترتفع إلى 5.57 تريليون درهم قناه الحدث - مسؤولون إسرائيليون يؤكدون: توبيخ ترامب لنتنياهو أضعفه وكالة الأناضول - سي إن إن: حريق حاملة الطائرات "فورد" استمر 30 ساعة وأحرق 600 سرير يني شفق العربية - وزير خارجية بنغلاديش يثمن الدور التركي في أزمة الروهينغا العربية نت - 5 قتلى أذربيجانيين في هجوم مسيرات على سفن ببحر آزوف فرانس 24 - غوستافو بيترو لفرانس برس: حلفاء ترامب في كولومبيا "مهرّبو مخدرات"
عامة

طاحونة الهواء التي غيرت هولندا

بوابة الوسط
بوابة الوسط منذ 3 أيام
2

يقول الهولنديون، الذين عُرفوا بالتجديف أكثر من كل الأوروبيين، إن الله خلق العالم بينما خلق الهولنديون هولندا. كانت هولندا حتى القرن الخامس عشر عبارة عن مساحة كبيرة من المستنقعات، ولكن حركة الإصلاح الد...

ملخص مرصد
تحولت هولندا من مستنقعات إلى معجزة هندسية بفضل طواحين الهواء التي حولت المياه إلى أراضي صالحة للزراعة. ساهمت الإصلاحات الدينية والقانونية في تشجيع الابتكار، بينما استغل الهولنديون هذه التقنية لبناء أساطيل تجارية واستعمار مناطق واسعة. اليوم، تعد هولندا ثاني أكبر مصدر للغذاء عالمياً بفضل استثماراتها في التكنولوجيا الزراعية والمائية.
  • طواحين الهواء حولت مستنقعات هولندا إلى أراضٍ زراعية صالحة (بحسب النص).
  • الهولنديون استعمروا إندونيسيا وأسسوا نيويورك وأستراليا (بحسب النص).
  • أبقار الهولندية تنتج 85 كغم غذاء/متر مربع بفضل الأبحاث العلمية (بحسب النص).
من: الهولنديون، ليخ فاتر، باروخ سبينوزا، هوغو خروتوس أين: هولندا، إندونيسيا، نيويورك، أستراليا

يقول الهولنديون، الذين عُرفوا بالتجديف أكثر من كل الأوروبيين، إن الله خلق العالم بينما خلق الهولنديون هولندا.

كانت هولندا حتى القرن الخامس عشر عبارة عن مساحة كبيرة من المستنقعات، ولكن حركة الإصلاح الديني، وانفصالهم عن الكنيسة الكاثوليكية، وظهور سلطة مستنيرة، سمح للهولنديين بتغيير بيئتهم غير المضيافة، ليحولوا بلادهم إلى واحدة من المعجزات الهندسية.

ترافق ذلك مع إصلاح القوانين، وعلى رأسها الملكية الفكرية، مما شجع على التفكير والاختراع، وإن ظلت القطيعة بين البروتستانت والكاثوليك قائمة حتى القرن الثامن عشر.

لجأ الهولنديون بطبيعتهم العملية إلى الفصل بين الطائفتين، التي طبقوها فيما بعد في جنوب أفريقيا، وعُرفت باسمها الهولندي «أبارتايد».

عاش البروتستانت والكاثوليك في أحياء متجاورة، ولكن مفصولون عن بعض، لا يشترون ولا يبيعون ولا يتزوجون من بعض، ولكل طائفة مدارسها وكنائسها وموظفوها وشرطتها، ولا يفصل بينهما إلا الجدران، مثلما نرى اليوم أحياء السنة والشيعة في بغداد.

بدأت هولندا تتغير عندما غير الهولنديون العقول التي ورثوها، وسمحوا للعقول الجديدة بالتفكير.

لم تكن التجربة سهلة ومريحة، بل كانت تجربة مؤلمة مثل شخص يبتر كل شيء ميت في وجدانه، ويعيد إحياء ما ظنه ميتا، ولكنه لا يزال حيا.

باروخ سبينوزا مثلا، وهو يهودي من أصول برتغالية، اضطرت عائلته إلى الهرب من محاكم التفتيش الكاثوليكية، لتستقر في أمستردام، ولكن الشاب الذي تجرأ على التفكير صدر ضده حرمان كنسي من الحاخام الأكبر، أي اعتُبر كافرا وفقا للشريعة اليهودية، وهو ما يعني استباحة دمه وقتله على يد أي مؤمن، مما اضطره للاختباء، بعد أن طعنه يهودي متطرف بسكين في عنقه.

وفي فيوربرخ قرب لاهاي في مسكنه السري كتب ما غير أوروبا إلى الأبد.

اليوم لا أحد يتذكر ذلك الحاخام، بينما تُرفع القبعات لسبينوزا ليس في هولندا، وإنما في كل بلاد الغرب.

بدأت هولندا تتغير عندما فكر مهندس، يدعى ليخ فاتر، في تحويل طاحونة الهواء، التي كانت موجودة في كل أوروبا، من مطحنة تطحن الحبوب بطاقة الرياح إلى آلة ترفع المياه من مستوى منخفض إلى مستوى أعلى.

وعندما نجح، بعد محاولات عدة، تعممت تجربته على كل البلاد، فتطوع الهولنديون لبناء المزيد من طواحين الهواء، وحفروا البلاد كلها بقنوات مائية، بينما تولت طواحين الهواء تجفيف تلك المستنقعات الشاسعة، وتوجيه المياه إلى القنوات.

واليوم عندما تنظر إلى هولندا من الفضاء «إيرث غوغل» مثلا ستجدها أرخبيلا من الجزر المستطيلة، وفيما بعد فكروا في تجفيف البحر، ونجحوا في ذلك باستخدام التقنية نفسها، وهكذا تضاعفت مساحة الأراضي الزراعية.

وفي القرن السابع عشر، فكر مهندس من أمستردام في استغلال طاحونة الهواء في قطع الأخشاب، وهكذا أصبح الهولنديون يقطعون الخشب مدعومين بطاقة الرياح أسرع من كل الأوروبيين، وهذا جعلهم يستثمرون هذا الاكتشاف في بناء السفن الشراعية، مما مكنهم من توسيع تجارتهم من خلال شركة الهند الشرقية، ويحتكرون استيراد وبيع التوابل في أوروبا، وتحول الأسطول الهولندي على الرغم من عدد السكان القليل إلى أكبر أسطول في العالم.

وحتى لا ينافسهم أحد في تجارة التوابل، استعمروا بلدا يزيد على مساحة هولندا عشرات المرات مثل إندونيسيا، وأسسوا مدينة «نيو أمستردام» التي انتزعها منهم الإنجليز، وأصبح اسمها «نيو يورك»، وكانوا أول من اكتشف أستراليا ونيوزيلندا، وأسسوا سورينام، ولا تزال تتبعهم جزر عدة في الكاريبي.

ومن تركيا أحضروا زهرة التوليب وزرعوها في بلادهم، واليوم لا تجد زهرة توليب واحدة في العالم إلا وبصيلتها خرجت من هولندا، بينما انقرضت في تركيا.

لم تكن أبقار الفرزيان، نسبة لمقاطعة فريزلاند، تحلب أربعين لترا في اليوم، ولكن دأب الهولنديين، واستثمارهم في الأبحاث العلمية، جعلهم يتمكنوا بالتهجين من جعلها تحلب هذه الكمية.

لا يحتاج مربي الماشية الهولندي إلى راعٍ، فقد تكفلت القنوات المائية بجعل الماشية ترعى في مكان محاط بالماء من كل مكان.

تأكل العشب الأخضر وتشرب من القنوات.

هذا الاستثمار في العدو، الذي هو الماء، جعل الجامعات الهولندية هي الأولى في العالم في كل ما له علاقة بالمياه، مثل جامعة دلفت التكنولوجية، بينما تولت جامعة نايميخن وفاخينينخن التواصل بين المزارعين وهذه الجامعات، مما جعل هولندا بمساحتها الصغيرة، التي لا تزيد على 41 ألف كلم مربع، ثاني أكبر مصدر للغذاء في العالم بعد الولايات المتحدة، فالمتر المربع في هولندا ينتج بفضل تطوير التقنيات 85 كيلوغراما من الغذاء.

وعندما تحدث الفيضانات في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، تستعين هذه البلدان بمضخات هولندية لمكافحة الفيضان، بينما آخر فيضان حدث في هولندا عام 1953 على الرغم من أن معظم أراضيها أقل بسبعة أمتار من مستوى سطح البحر، وهذه الأراضي المسطحة جعلت سكانها يستخدمون الدراجة الهوائية أكثر من السيارة، ويستثمرون في أكثر وسائل النقل الجماعي تطورا، وتوجد لديهم بنية تحتية لراكبي الدراجات تسمح لهم بالتجول في كل البلاد، فحافظوا على البيئة، ومارسوا رياضة غير مكلفة.

ذات مرة بينما كنت عائدا بالليل إلى معسكر اللاجئين، وانشغلت في مدينة خودا، فتأخرت على آخر حافلة، وكان علي قطع مسافة خمسة كيلومترات مشيا، فقررت أن اختصر المسافة، وأن أشق الحقول، وما أن دخلت في الأراضي الزراعية أمتارا عدة، حتى غاصت قدمي في التربة المبتلة، وأمضيت وقتا وأنا أبحث عن حذائي.

وعدت إلى الطريق المعبد شاكرا المهندس ليخ فاتر، والفيلسوف باروخ سبينوزا، وهوغو خروتوس، مؤسس القانون الدولي، وكل الرسامين والعلماء الهولنديين، ومنهم 22 حازوا جائزة نوبل في مختلف العلوم، وأدركت أن معجزة هولندا بدأت بتلك الطاحونة التي كانت فقط تطحن الحبوب، وتذكرت أمي، التي ولدت وعاشت بعد قرون من ليخ فاتر، وهي تجر وتجلس كل يوم خلف رحاها الثقيل، لتطحن لنا ما يسد رمقنا، وصرخت في تلك الطريق الزراعية المظلمة بتلك الليلة الماطرة: لماذا تغيرت هذه البلاد إلى الأفضل، بينما تتغير بلداننا إلى الأسوأ؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك